كلمة الدكتور الشيخ سيدي عبد الله في حفل تأبين الراحل احمد محفوظ ولد ابات – المرابع ميديا – al-maraabimedias
11 ديسمبر 2019 , 3:03
أخبار عاجلة
الرئيسية / الثقافة والفنون / كلمة الدكتور الشيخ سيدي عبد الله في حفل تأبين الراحل احمد محفوظ ولد ابات

كلمة الدكتور الشيخ سيدي عبد الله في حفل تأبين الراحل احمد محفوظ ولد ابات

29_11

هناك رجال يمشون على هذه الأرض هونا .. لا ينظرون على زخارف الحياة ولا إلى ملذاتها مثلما ينظر غيرهم من الذين كبلتهم الرغبات وأسرتهم المظاهر..
هؤلاء الرجال يعيشون حياتهم بسعادة نراها بادية في بساطة لبسهم وسماحة محياهم .. نراها في مشيتهم المطأطئة وكأنهم آثروا عدم اختراق خصوصيات الغير ..
كان الفقيد أحمد محفوظ أحد هؤلاء.. لم يكن باحثا عن مكانة يرى انه لم يبلغها ولم يكن معنيا بما وصل إليه الآخرون .. بل كان مقبلا على نفسه كنسمة هواء بارد لا تجرح ولا تدمي ولا تخدش جسما أو حياء..
لم تكن تربطني بالراحل أية علاقة قبل حلقات برنامج الصفحة الأخيرة وهي الحلقات التي وثقت عرى علاقتنا لما بعد ذلك وهي أيضا الحلقات التي أبانت للموريتانيين طوية الرجل الطاهرة وبساطته في كل مظاهر الحياة ..
بدأت علاقتنا حين اتصل بي الصديق محمد محمود أبو المعالي عارضا عليّ اسم احمد محفوظ ولد ابات كمقترح للاستضافة في البرنامج..
وطفق أبو المعالي يعدد لي خصال صاحبنا ومدى أهمية شهادته في تدوين الذاكرة الموريتانية الحديثة ..
افترقنا على أمل أنني سأبحث عن شيء من حياة الرجل وسيرته فوجدته قد أدلي قبلي بجزء من شهادته للزميل محمد الأمجد ولد محمد الأمين السالم كما عثرت على جزء أول من مقابلة مكتوبة معه ..
أسرتني معلومات الرجل وبدأت أفكر في تعجيل مقابلته قبل كثيرين كانوا على لائحة البرنامج وفي تلك الأثناء اتصل بي الشاعر الكبير احمد أبو المعالي وخلال حديث روتيني بيننا حول الأدب والشعر والساحة الثقافية إذا به يعرض علي الاسم دون أن يدري أن عكاشة سبقه لذلك أقصد الصديق محمد محمود..
زاد صدور المقترح من الزميلين العزيزين من قناعتي باستضافة الرجل ..
اتصلت به هاتفيا وأخبرته بأهمية أن نلتقي لإنجاز حلقة أو حلقتين وهي عادتي في الاستضافة بحيث لا أحدد عدد الحلقات للضيف وإنما اترك الأمر لغزارة المعلومات أو لقلتها ..
قبل المرحوم برحابة صدر دون أي شروط أو أسئلة أو استفهامات، وهذا جزء من بساطته وحلاوته،فلم يفتعل لي دور العلامة الفهامة الذي يريد أن يوهم نفسه بأنه المطلوب للبرنامج وان ذلك دليلا على أهميته .. لم يتقمص ذلك رغم انه يستحق أن يفعل ..
ولم يسأل عن نمط اللباس المطلوب ولا عن حدود الحرية المطلوبة ولا عن ما ينبغي أن يقال .. كنت طيلة المكالمة أنا من يتكلم وهو ينصت ويجيب بلكنته الرائعة ذات النفس السوداني الأخاذ( إن شاء الله) ..
وهنا أود أن أأكد أن كل تلك الأريحية في تعاطي الراحل مع الإعلام والتي لاحظها كل من استضافه وليدة تربية أسرية أولا ثم نتيجة لعلاقة وطيدة بالإعلام ومعرفة بخباياه ومتاعبه وأهمية أن يسود جو التفاهم بين الضيف والمضيف ..
التقيت وإياه مساء السبت في مباني التلفزيون وكان برفقته أخي وزميلي الشيخ ولد عابدين الصعيدي واستغربت أن الرجل لم يكن يحمل في يده أي ورقة ولا أي قلم ..
وهذه حالة شاذة في قائمة ضيوفي الذين نحتاج أحيانا للاستعانة بعمال لحمل بعض أغراضهم من السيارة إلى الاستديو ..
دخل الرجل ويداه خاليان إلا من الندى والأريحية والكرم (لا تفهموني غلط .. أهل الإعلام فيهم أعظام حب الندى والعطاء ) ..
عند بوابة التلفزيون سألته : هل تريدون قلما وورقة لتدوين وترتيب الأفكار خشية ان تنسى شيئا ؟
أجابني: لا أبدا . لا حاجة لي بهما أنا ( ماني أمكثر الأخبار .. سأجيبك عن ما اعرف وسأسكت عن ما لا اعرف) ..
لم يدّع معرفة كل شيء ولهذا كان دائما يعزو الكلام والمعلومة لصاحبها وكان يحدد بكل انسيابية الاحداث التي كان حاضرا لها او فاعلا في صناعتها مع احترام وتقدير للجميع .. فحتى اولئك الذين لم يكن متفقا معهم في الخط السياسي كان يذكرهم باحترام مدركا انه يروي عنهم وانهم غير موجودين .
ومن نكرانه لذاته وتحريه للدقة والحقيقة أنني عندما قدمته قائلا : ضيفنا الليلة هو السكرتير الخاص للرئيس المختار ولد داداه .. انتظر بأدب حتى منحته الكلام فقال مصححا :
أنا لست السكرتير الخاص للرئيس المختار أنا مجرد كاتب لرسائله العربية على الآلة الكاتبة .. وهذا معناه أن ما يتعلق بالرسائل المكتوبة باللغة الفرنسية لا تسألني عنه لأنني لا اعرفه ولا علاقة لي به.
كلنا نتذكر كم من لقب وظيفي و أكاديمي يطلقه البعض اليوم على نفسه وتطلقه عليه وسائل الإعلام دون أن يكلف نفسه تصحيح ذلك أو التبرء مما لم يحققه بمهنيته أو علمه ..
كان احمد محفوظ مختلفا في كل شيء.
بدأت سلسلة حلقاتي معه، بابتسامة وعفوية وكان بعد كل حلقة يملأ دنيا الناس ويشغلهم .. فمن متحدث عن صدقه البادي على سحنته ومن متظارف بطرافته وبساطته وبراءته ومن متعجب من نكرانه لذاته وابتعاده عن الأضواء…
وهذه النقطة الأخيرة تجد وجاهتها في كون الكثيرين لا يعرفون انه أول موريتاني يجلب معه الآلة الكاتبة باللغة العربية لهذه البلاد سنة بعد الاستقلال..
والكثيرون يشيدون بجهود علماء وأدباء كبار مثل المرحوم المختار ولد حامدن والدكتور محمد المختار ولد اباه أطال الله بقاءه ولا يعرفون انه لولا أنامل احمد محفوط لما طبعت مسودات موسوعة حياة موريتانيا ولا كتاب الشعر والشعراء ..
يُذكَر هؤلاء ولم يهتم احمد محفوظ يوما بالحديث عن دوره واستفادته من ذلك الذكر معنويا ..
امتدت حلقاتنا أكثر من المعتاد وكان في كل حلقة يزداد تألقا وطرافة .. أذكر انه خاطبني مرة قبل إحدى الحلقات بدقائق ( وفر أنت اتاي واعكاب الأخبار فيّ انا) …
وفي إحدى الحلقات ومن شدة تأثره بحب الناس وجميلهم يقول : إن سائقي سيارات التاكسي رفضوا أن يأخذوا منه الأجرة بعد ظهوره في البرنامج شاهدا على حقبة التأسيس ومنصفا الآباء المؤسسين الذين يعمل البعض ممن لم يسجل لهم التاريخ حسنة لهذا الوطن أن يمحوهم من ذاكرة الأجيال ولكن هيهات.
ثم يضيف : حتى الغسال رفض أن يأخذ مني أجرته …
كان يروي هذه التصرفات البسيطة بغير قليل من الامتنان والعرفان …
انتهت حلقاتنا و دام التواصل بيننا عن طرق الهاتف ومن خلال الأشخاص الذين يتصلون به عن طريقي كلٌّ يسأل عن أخ أو عم أو خال أو قريب حط الرحال في جمهورية السودان منذ أكثر من نصف قرن وانقطعت أخباره .. وكان احمد محفوظ رحمه الله يتجاوب مع المتصلين بأريحية ومحبة واستعداد.
كان آخر لقاء مباشر بيننا قبل وفاته بمدة يسيرة حين اتصل بي قائلا : لدي هدية لك عبارة عن مجلة العدل الموريتانية الصادرة عام 1962 والتي خصص عددها لتغطية مؤتمر علماء موريتانيا الذين التألموا في نواكشوط بدعوة من الرئيس المختار ووزير العدل الحضرامي ولد خطري رحمهما الله من اجل دراسة مدى مطابقة الدستور للشريعة الإسلامية .
وكان العدد رائعا مشفوعا بالصور وبقصائد الترحيب وبالتعديلات التي أجراها العلماء على الدستور يومها .
كان هدية لا تعوض .. جزاه الله عني خيرا ..
والحق أنني تفاجأت بنبأ وفاته لأنني لم أكن أتوقع أن حالته ساءت بتلك الدرجة، ولكنها إرادة الله والأعمار بيده .
رحمك الله أيها الإنسان الوطني الصادق ..
” أمثالك تموت أجسامهم لأن الموت حق على الأحياء جميعا , ولكن ذكرهم لا يموت لأنّهم فرضوا أنفسهم على الزمان وعلى الناس فرضا ، وسيوارى شخصك الكريم في أطباق الثرى ، ولكن القبر الذي سيحتوي شخصك لن يستأثر بك ، فلك في قلوب الذين يحبونك والذين ينتفعون بأدبك وعلمك ذكر لن يموت ، ولكنّهم لن يستأثروا بذكرك ، وإنّما ستشاركهم فيه الأجيال التي تبقى بقاء الدهر”.
إلى جنات الخلد أيها الراقي .. أيها الراحل .. ثم انك مسلم.

شاهد أيضاً

بناء مشروع إقليمي عملاق في موريتانيا يوفر الكثير من العائدات وفرص العمل

أعلن في داكار عن عزم منظمة استثمار نهر السنغال بناء محطة للطاقة الشمسية في موريتانيا …