Zwei Fotos im Frame
Foto 1 Foto 2

خاص .. “المرابع ميديا”في مناطق التنقيب ب”تيرس زمور”: رحلة البحث عن لقمة العيش بين مخاطر العمل ووعود التنظيم

لم تكن قصة التعدين الأهلي في ولاية تيرس زمور مجرد نشاط اقتصادي عابر، ولا مجرد بحث عن الذهب في صحراء شاسعة؛ بل أصبحت خلال السنوات الماضية واحدة من أبرز قصص الكفاح الاجتماعي والاقتصادي لشريحة واسعة من الموريتانيين.

فوراء كل بئر في الصحراء حكاية منقب ترك أهله وبيته، وحمل أدواته، واتجه إلى مناطق قاسية لا ماء فيها ولا خدمات كافية، واضعاً حياته في مواجهة المجهول بحثاً عن مورد رزق كريم داخل وطنه.

وقد مر التعدين الأهلي في تيرس زمور بمراحل مختلفة: مرحلة البدايات الصعبة، ثم مرحلة اتساع النشاط وتزايد أعداد المنقبين، ثم مرحلة تدخل الدولة ومحاولة تنظيم القطاع، وصولاً إلى إنشاء شركة معادن موريتانيا وما رافق ذلك من مشاريع وخدمات وإجراءات تنظيمية وأمنية.

لكن السؤال الذي يظل مطروحاً اليوم هو: هل استطاعت هذه الإجراءات أن تواكب حجم التضحيات والمخاطر التي يتحملها المنقب التقليدي؟ وهل حصل المنقب فعلاً على الحماية والخدمات والحقوق التي يحتاج إليها ليستمر في هذا النشاط؟

أولاً: البداية… حين دخل المنقبون الصحراء بحثاً عن فرصة

كانت البدايات بالنسبة إلى كثير من المنقبين أشبه بالمغامرة المحفوفة بالمخاطر.

فالمناطق الشمالية من البلاد، وخاصة مناطق تيرس زمور، تتميز باتساعها وبعدها عن المراكز الحضرية، وبقسوة المناخ وصعوبة الوصول إلى مصادر المياه والخدمات الأساسية.

ومع ظهور مؤشرات وجود الذهب، بدأ عدد من المواطنين يتوجهون إلى هذه المناطق بإمكانات محدودة، مستخدمين وسائل بدائية، واضعين مدخراتهم القليلة في مشروع لا يعرفون نتيجته.

لم يكن المنقب الأول يمتلك شركة كبيرة، ولا معدات متطورة، ولا فريقاً من الخبراء. كان يمتلك إرادته وبعض المال وأدوات بسيطة، وكان مستعداً للمخاطرة من أجل فرصة قد تغير حياته وحياة أسرته.

وهنا يجب التأكيد على أن التعدين الأهلي لم يبدأ باعتباره امتيازاً يحصل عليه المواطن بسهولة، وإنما نشأ في جزء كبير منه من واقع اقتصادي واجتماعي دفع المواطنين إلى البحث عن مصدر دخل جديد.

ثانياً: المنقبون الأوائل ودفع ثمن البداية

تحمل المنقبون الأوائل أعباء كبيرة قبل أن يتحول التعدين الأهلي إلى قطاع اقتصادي يحظى بالاهتمام الرسمي.

فقد واجهوا العطش، وبعد المسافة، وصعوبة النقل، ونقص الخدمات الصحية، ومخاطر الآبار، وانهيارات التربة، إضافة إلى صعوبة نقل المعدات والمؤن.

وكانت بعض مناطق التنقيب بعيدة مئات الكيلومترات عن المدن، الأمر الذي جعل مجرد الوصول إلى موقع العمل مغامرة في حد ذاته.

وفي بيئة كهذه، لم يكن الخطأ البسيط مجرد خسارة مالية؛ فقد يتحول إلى حادث يؤدي إلى فقدان الحياة.

ومع مرور الوقت، أصبحت حوادث الآبار والانهيارات من أخطر التهديدات التي تواجه العاملين في التعدين الأهلي، وهو ما جعل قضية السلامة المهنية واحدة من أهم الملفات التي لا يمكن فصلها عن مستقبل القطاع.

ثالثاً: المنقب التقليدي… البحث عن لقمة عيش كريمة

من السهل النظر إلى المنقب من الخارج باعتباره شخصاً يبحث عن الذهب فقط، لكن خلف هذا النشاط واقع اجتماعي واقتصادي أعمق.

فالمنقب هو في الغالب مواطن يبحث عن فرصة للعمل والدخل، ويستثمر ماله ووقته وجهده في منطقة صحراوية قاسية.

وبالنسبة إلى كثير من الأسر، أصبح التعدين الأهلي مصدراً مهماً للدخل، كما خلق نشاطاً اقتصادياً واسعاً حول النقل، والخدمات، والمطاعم، والمياه، وبيع المعدات، والطحن والمعالجة وغيرها.

وتشير معادن موريتانيا إلى أن النشاط شهد نمواً كبيراً، وأن الإنتاج وصل إلى مستويات مرتفعة مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، مع خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

لكن هذا النمو الاقتصادي لا ينبغي أن يحجب الجانب الآخر من الصورة: كلما اتسع النشاط، اتسعت معه مسؤولية الدولة في حماية العاملين فيه وتنظيمه وتوفير الحد الأدنى من ظروف العمل الآمنة.

رابعاً: من مرحلة المبادرات الفردية إلى اهتمام الدولة

مع اتساع التعدين الأهلي، بدأت الدولة تتعامل معه باعتباره نشاطاً اقتصادياً يستحق التنظيم والتأطير.

وكان فتح منطقة الشكات أمام المنقبين محطة مهمة في هذا المسار. ففي نوفمبر 2020 أعلنت الدولة فتح المنطقة أمام المنقبين، ثم بدأت معادن موريتانيا إجراءات تجهيزها وتحديد المناطق المسموح بها وحفر آبار لتوفير المياه.

وكان ذلك بمثابة اعتراف رسمي بأهمية النشاط وضرورة الانتقال به من حالة البحث الفردي غير المنظم إلى قطاع يخضع للتأطير.

ثم جاء إنشاء شركة معادن موريتانيا ليشكل مرحلة جديدة، هدفها تنظيم التعدين الأهلي وشبه الصناعي، ومرافقة المنقبين، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز السلامة والخدمات.

خامساً: ماذا قدمت معادن موريتانيا؟

لا يمكن إنكار أن شركة معادن موريتانيا قامت خلال السنوات الماضية بعدد من الخطوات المهمة.

ففي تيرس زمور، شملت البرامج حفر آبار، وإنشاء وحدات لتحلية المياه، وتعزيز وسائل الاتصال، ووضع علامات مضيئة على الطريق بين ازويرات والشكات، وإنشاء نقاط استراحة للمنقبين والمسافرين.

كما عملت الشركة على تنظيم الوصول إلى بعض مناطق التنقيب، ووفرت في الطريق نحو الشكات محطات تتضمن سيارات إسعاف وفرقاً من الشركة والدرك وخزانات للمياه ووسائل اتصال.

وفي السنوات الأخيرة أصبح ملف السلامة أكثر حضوراً في تدخلات الشركة، خصوصاً بعد حوادث انهيار الآبار، حيث قامت بزيارات ميدانية وحملات تحسيسية ودعت إلى الالتزام بإجراءات السلامة وحصر النشاط داخل المناطق المسموح بها.

وهذه خطوات مهمة لا ينبغي تجاهلها، لأنها تعكس انتقال الدولة من مجرد الاعتراف بالنشاط إلى محاولة بناء منظومة لتأطيره.

سادساً: لكن… هل تكفي هذه الإجراءات؟

هنا تبدأ الأسئلة الصعبة.

فمع الاعتراف بما تحقق، لا تزال هناك ملفات كثيرة يشعر المنقبون بأنها لم تجد الحلول الكافية.

ومن بين هذه الملفات: توفير المياه بصورة مستدامة، والخدمات الصحية، والسلامة داخل المجاهر، وتنظيم استخدام الآليات، وتوسيع مجالات التنقيب، وحماية استثمارات المنقبين، وتحديد العلاقة بين التعدين الأهلي والشركات الحاصلة على رخص البحث والاستغلال.

وقد عبّر منقبون في تيرس زمور بالفعل عن مطالب مرتبطة بالصحة ومياه الشرب في مناطق مثل اگليب اندور وأم آرقعية، إضافة إلى استخدام الآليات الثقيلة وإعادة فتح بعض المجاهر.

كما أن قضية العلاقة بين المنقبين والشركات الاستثمارية ظلت من الملفات الحساسة، خصوصاً عندما يشعر المنقبون بأن المساحات المتاحة لهم تضيق أو أن مصالحهم قد تتأثر بالرخص الممنوحة للشركات.

وفي يوليو 2026 تحدث وزير المعادن والصناعة عن إجراءات لتنظيم التعايش بين المنقبين وشركات التعدين، كما أشار إلى استمرار التقييم والمتابعة والتفتيش.

وهذا يعني أن الملف لا يزال مفتوحاً، وأن التنظيم لم يصل بعد إلى مرحلة يمكن القول معها إن جميع الإشكالات قد حُسمت.

سابعاً: السلامة… الملف الذي لا يحتمل التأجيل

إذا كان هناك ملف ينبغي أن يحظى بالأولوية المطلقة، فهو سلامة المنقبين.

فالذهب يمكن تعويضه، والمعدات يمكن إصلاحها، والخسارة المالية يمكن تحملها، أما حياة الإنسان فلا يمكن تعويضها.

وحوادث انهيار الآبار تذكّر الجميع بأن المنقب يعمل في بيئة شديدة الخطورة، وأن مسؤولية السلامة لا تقع على المنقب وحده.

نعم، يجب على المنقب الالتزام بالتعليمات وعدم المخاطرة والدخول في المناطق المحظورة.

لكن في المقابل، تحتاج الدولة إلى توفير رقابة ميدانية فعالة، ومعلومات جيولوجية، وتحديد للمناطق الخطرة، وآليات إنقاذ وإغاثة، وتدريب مستمر، وإمكانية الوصول السريع إلى المصابين.

وقد أكدت معادن موريتانيا مؤخراً أن السلامة أولوية، وأشارت إلى إغلاق مواقع اعتبرتها خطرة وإلى إزالة مخلفات الصخور التي قد تشكل خطراً على الآبار.

لكن المطلوب أن تتحول السلامة من حملات موسمية إلى ثقافة دائمة ونظام متكامل يرافق المنقب منذ دخوله منطقة التعدين حتى خروجه منها.

ثامناً: بين حق الدولة وحق المنقب

من حق الدولة أن تنظم ثرواتها المعدنية.

ومن حقها أيضاً أن تحمي حدودها، وتحافظ على البيئة، وتمنع التهريب، وتراقب النشاط الاقتصادي.

لكن في المقابل، للمنقب حق مشروع في أن يعرف بوضوح أين يمكنه العمل، وما هي حقوقه، وما هي واجباته، وكيف يحمي استثماره، ومن يعوضه إذا أغلقت منطقة كان يعمل فيها بصورة قانونية، وما هي البدائل المتاحة له.
فالتنظيم لا ينبغي أن يعني فقط وضع القيود، وإنما ينبغي أن يعني أيضاً توفير البدائل والحماية والوضوح القانوني.

وهذا مهم خصوصاً في تيرس زمور، حيث أثارت إجراءات مرتبطة بالمناطق القريبة من الحدود تساؤلات ومخاوف لدى المنقبين، في حين أكدت السلطات أن الهدف هو حماية الأمن والحوزة الترابية وضمان ممارسة النشاط في الأطر القانونية.

تاسعاً: المطلوب اليوم… شراكة حقيقية مع المنقب

إن مستقبل التعدين الأهلي في تيرس زمور لا يمكن أن يبنى من خلال القرارات الإدارية وحدها.

فالمنقب ليس مجرد مستفيد من رخصة، وإنما شريك أساسي في هذا النشاط.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى حوار مؤسسي دائم بين المنقبين والدولة ومعادن موريتانيا والجهات المحلية، بحيث تتم مناقشة المشاكل قبل أن تتحول إلى أزمات.

كما ينبغي العمل على:

  • تحسين الخدمات الصحية في مناطق التعدين.
  • توفير المياه بصورة مستدامة.
  • تطوير منظومة الإنقاذ والإسعاف.
  • تعزيز السلامة داخل الآبار والمجاهر.
  • توضيح مناطق التعدين الأهلي ومناطق الشركات بشكل يمنع النزاع.
  • إيجاد حلول عادلة للمنقبين المتأثرين بإغلاق بعض المناطق.
  • تسهيل حصول المنقبين على المعدات المناسبة والآمنة.
  • دعم التكوين والتدريب في مجال التعدين.
  • تحسين تسويق الذهب عبر القنوات الرسمية بما يحفظ حقوق الدولة والمنقب معاً.
  • إشراك ممثلي المنقبين فعلياً في القرارات التي تمس مستقبل نشاطهم.

ختاما.. المنقب الذي يستحق أن يُسمع صوته

إن قصة التعدين الأهلي في تيرس زمور هي قبل كل شيء قصة مواطن موريتاني اختار أن يبحث عن رزقه في أرض وطنه، وتحمل في سبيل ذلك مشقة السفر، وقسوة الصحراء، ومخاطر الآبار، وعدم اليقين.

لقد ساهم المنقبون في تحويل التعدين الأهلي إلى نشاط اقتصادي مهم، ودفعوا ثمناً باهظاً من صحتهم وأموالهم وأحياناً أرواحهم.

وقد خطت الدولة خطوات مهمة في تنظيم هذا القطاع، كما أن معادن موريتانيا أنجزت عدداً من المشاريع والخدمات وأصبحت تلعب دوراً محورياً في تأطير النشاط.

لكن الاعتراف بهذه الجهود لا يعني أن الطريق انتهى.

فالمنقب لا يحتاج فقط إلى من يقول له أين يعمل وأين لا يعمل؛ بل يحتاج إلى دولة تحميه، وتوفر له الحد الأدنى من الخدمات، وتصون استثماره، وتسمع مطالبه، وتشاركه في صناعة القرارات التي تحدد مستقبله.

إن التعدين الأهلي لن يكون قطاعاً وطنياً ناجحاً إلا عندما يشعر المنقب، وهو يقف في أعماق صحراء تيرس زمور، أن الدولة تقف إلى جانبه كما تطالبه بالوقوف إلى جانب القانون.

فمن حق الدولة أن تنظم الثروة، ومن حقها أن تحمي الأرض، ولكن من حق المنقب أيضاً أن يجد في وطنه فرصة للعمل الكريم، وأن يعود إلى أسرته سالماً بعد كل رحلة إلى أعماق الصحراء

محمد محمود محمد الأمين.