
من المؤسف أن ينحدر النقاش العام من نقد الأفكار والمواقف إلى تجريح الأشخاص، والأكثر أسفا أن يكون المستهدف شخصية بحجم الوزير والعميد محمد فال ولد بلال، وأن تتحول كلمات مثل “الخرف” و”الركوع” و”التشفي” إلى أدوات في سجال يفترض أن يكون سياسيا وفكريا.
قد تختلف مع محمد فال ولد بلال أو غيره، وقد تناقش مواقفه وتنتقد بعض خياراته، ومن حقك أن تعترض على ما يكتبه أو يراه، لكن هناك فارقا كبيرا بين النقد وبين إهانة رجل أفنى عقودا في العمل العام.
الأدب مع الكبار ليس مجاملة لهم، ولا حصانة تمنع نقدهم، وإنما هو الحد الأدنى من أخلاق الاختلاف. فالرجل الذي سبقك إلى ميادين السياسة والإدارة والدبلوماسية والفكر، وترك فيها أثرا معروفا، يستحق أن تناقش أفكاره لا أن تبحث عن مفردات للنيل من سنه وكرامته.
ومحمد فال ولد بلال ليس رجلا طارئا على المشهد حتى تختزل سيرته في تعيين هنا أو إقالة هناك.
هذا رجل بدأ مساره مبكرا، وخاض تجربة سياسية وفكرية في شبابه، وعرف السجن والإقامة الجبرية والنضال السياسي، ثم تقلد مناصب إدارية ودبلوماسية ووزارية، وشغل حقيبة الخارجية، وعمل سفيرا لموريتانيا، قبل أن يعود لاحقا إلى الواجهة السياسية من موقع المعارضة، ثم يختار بالإجماع رئيسا للجنة الوطنية المستقلة للانتخابات سنة 2018.
والأهم من المناصب نفسها أن مساره لم يكن خطا مستقيما من السلطة إلى السلطة؛ فقد عرف مراحل قرب وبعد، وشارك في المعارضة، ثم ترأس هيئة يفترض أن تكون على مسافة واحدة من جميع الأطراف. وفي أول انتخابات أشرف عليها، كان يكرر أن اللجنة مطالبة بالحياد وأن أعضاءها محلفون على ذلك، داعيا الجميع إلى احترام القواعد والضوابط الأخلاقية.
وهذا وحده كاف لكي يجعلنا أكثر حذرا في إطلاق الأحكام عليه.
أما القول إنه “أغدق بالأشعار وكيل المدائح” ثم غضب من تعيين فلان أو علان، فحتى لو فرضنا جدلا أن جزءا من ذلك وقع، فهو لا يسقط حق الرجل في إبداء رأيه، ولا يحول دون أن يكون له تقدير سياسي يخطئ فيه أو يصيب. السياسة ليست محكمة أخلاقية تقضي بإسقاط تاريخ إنسان كامل بسبب موقف أو منشور، تختلف أنت معه نظرا لأنه يتعلق بوجهة نظر فلان حول عللت.
ثم إن الكتابة نفسها، مهما اختلفنا مع مضامينها، لا تبرر أن يرد عليها الكاتب بإهانة صاحبها. إذا كتب محمد فال ولد بلال قصة أو أسقط أحداثا أدبية على مرحلة سياسية معينة، فلتناقش القصة: رموزها، إسقاطاتها، دلالاتها، ومواطن قوتها وضعفها. أما أن نترك النص ونذهب إلى “الخرف” و”غسل الملابس” و”الفقر” و”التشفي”، فذلك ليس نقدا أدبيا ولا سياسيا؛ إنه تشهير شخصي.
ومن حق الكاتب أيضا أن يتذكر ما يراه من تاريخ بلده، وأن يقرأ مرحلة ولد عبد العزيز بطريقته، وأن يختلف في تقييم محاكمته أو في فهم مواقف بعض رجالات تلك المرحلة. يمكن الرد عليه بالوثائق والوقائع والحجج، لا بإهانته.
ولعل المفارقة أن صاحب التدوينة يطالب ضمنيا بقراءة التاريخ، لكنه حين يختلف مع رجل من رجال ذلك التاريخ يحاول اختصار عقود من حياة الرجل في حكاية شخصية جارحة.
محمد فال ولد بلال ليس فوق النقد، لكنه بالتأكيد أكبر من أن يختزل في شتيمة.
والكبار لا يحترمون لأنهم لا يخطئون؛ يحترمون لأن لهم عمرا من التجربة، ولأن اختلافنا معهم لا يمحو ما قدموه، ولأن المجتمع الذي يفقد أدب الاختلاف يفقد شيئا من أدبه هو قبل أن ينتقص من خصمه.
فلنختلف كما نشاء، ولننتقد كما نشاء، ولكن لنترك للخصومة السياسية حدودا، وللكلمة أخلاقا، وللكبار حقهم في الاحترام.
فمن أراد إسقاط شخص معين، فليسقط أفكاره بالحجة؛ أما محاولة الإسقاط بالشتيمة فلن تزيد المستهدف إلا توهجا وحضورا، ولن تضيف إلى صاحبها إلا مزيدا من الإساءة إلى نفسه.
حي معاوية
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال