السيادة اللغوية بين ثقافة الامتثال الدستوري وأوهام التباكي على الفرنسية

يأتي الجدل المتجدد حول استخدام اللغة العربية في المراسلات الإدارية، والذي أثاره مؤخرا تعميم أصدره وزير الثقافة و الفنون والاتصال و العلاقات مع البرلمان و الناطق باسم الحكومة السيد محمد ولد بيانه،
ليعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول الهوية و السيادة. وفي سياق هذا التعميم كتب الأستاذ لوغورمو عبدول أن قرار وزير الثقافة الجديد يفرض الإستخدام الحصري للغة العربية في المراسلات الإدارية هو إجراء سياسي إقصائي و مستعجل و ليس مجرد تدبير روتيني ،
و قد لخص موقفه و مخاوفه في النقاط التالية : –
_ توقيت التعميم استفزازي و مصادر للحوار الوطني المرتقب .
_ تزامن القرار مع ترشيح موريتانيا رسميا السيدة كومبا با لقيادة المنظمة الدولية للفرنكفونية .
_ مخاوف من نقل المعركة الي البرلمان خاصة ان الوزير هو من يدير العلاقة مع البرلمان .
كما دعا أيضا لوغورمو إلي الابتعاد عن حرب اللغات و تبني سياسة لغوية توافقية تنبثق من حوار وطني ترسخ اللغة العربية كلغة رسمية مرجعية ، تمنح الترسيم الفعلي و العملي للغات الوطنية الأخرى و تنظم وضع الفرنسية بوضوح دون تمييز ضد من تعلموا بها .
هذا الطرح يتقاطع مع ما كتبه الخبير الأمني و العسكري العقيد المتقاعد السيد محمد ولد الناجي ،
إن محاولة البعض ربط تعطيل هذا التعميم الإداري بمسوغات خارجية، مثل ترشح موريتانيا لقيادة المنظمة الدولية للفرنكفونية، أو داخلية كالتوطئة للحوار الوطني المرتقب، يمثل مقاربة براغماتية مغلوطة. فالدبلوماسية الناجحة والانفتاح على الفضاءات الدولية لا يمكن أن يقوما على حساب الهوية و السيادة الداخلية، بل إن قوة الدولة في محافلها الخارجية تُستمد أولاً من تماسك جبهتها الداخلية واحترامها لمرجعيتها القانونية العليا.
وفي المقابل، فإن التباكي على مكانة اللغة الفرنسية في الإدارة بدعوى الحفاظ على التوازن الإداري يُعد فصلاً تاماً للمؤسسات عن واقعها الجيوسياسي.
كما أن هذا التمكين للغة أجنبية لا يمكن تبريره بوجود لغات وطنية أخرى (البولارية، السونينكية، والولوفية)؛ فهذه اللغات موروث وطني مصان ومحترم، لكنها تلتقي مع العربية تحت ظلال دولة واحدة تتوحد لغتها الرسمية داخل المؤسسات و التشريع و التعليم.
حيث يتبين جليا من مقاصد التعميم أن القضية لا تتعلق بأزمة نصوص أو حرب لغات بقدر ما تتعلق بضرورة ترسيخ ثقافة الامتثال للدستور واحترام المرجعية القانونية العليا للبلاد.
إن إلزامية التعامل باللغة العربية في قطاعات الدولة الرسمية لا تحتاج أصلاً إلى مناشير تنظيمية أو إجراءات استثنائية، فالمادة السادسة من الدستور الموريتاني واضحة وحاسمة في نصها على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة للدولة. هذا الترسيم الدستوري ليس مجرد خيار سياسي عابر، بل هو انعكاس للهوية الجامعة للأمة القائمة على أساس الدين الإسلامي الحنيف و الوطن الواحد .
فاللغة الرسمية هي الأداة السيادية التي تجمع الموروث الثقافي والتاريخي للمجتمع، وهي القاسم المشترك في الإدارة والتشريع والتعليم.
أما اللغات الوطنية الأخرى (البولارية، السونينكية، والولوفية)، فهي موروث وطني مصان دستورياً ومحترم كجزء من التنوع الثقافي الموريتاني، لكن استخدامها يظل محصوراً في التخاطب المحلي والتواصل الاجتماعي، وهو أمر طبيعي تشترك فيه معظم شعوب العالم التي تتعدد ألسنتها محلياً وتتوحد تحت ظلال لغة رسمية جامعة داخل مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، يبدو التباكي المستمر على مكانة اللغة الفرنسية في الإدارة الموريتانية منفصلاً تماماً عن الواقع الجيوسياسي الحالي. فمن غير المقبول، بأي حال من الأحوال، اعتبار لغة المستعمر القديم وعاءا جامعاً للموروث الثقافي الوطني. إن هذا الدفاع المستميت عن الفرنسية يتجاهل حقيقة أن اللغة الفرنسية تشهد تراجعاً حاداً حتى في عقر دارها وفي مناطق نطقها التقليدية. كما أن فرنسا الدولة العميقة خسرت بشكل متسارع دورها ونفوذها التاريخي في القارة الإفريقية، وتواجه اليوم أزمات داخلية حادة تضرب أمنها، واستقرارها، وتماسك شعبها.
بناءً على هذه المعطيات، يصبح التمسك بفرنسة الإدارة نوعاً من التمسك بخيار لغوي متراجع عالمياً وإقليمياً.
إن تجاوز هذا التناقض البنيوي يتطلب إرادة سياسية صارمة تنتقل بالدستور من خانة النصوص الرمزية إلى آليات التطبيق الملزم. إن فرض اللغة العربية في المعاملات الإدارية ليس إقصاءً لأي مكون اجتماعي أو ثقافي، بل هو تجسيد حقيقي لسيادة الدولة و تطبيق صريح لروح الدستور الذي يجب أن يخضع له الجميع دون مواربة او تأجيل ،
وإنهاء لإرث استعماري طال أمده، مؤكداً أن الانفتاح على العالم لا يعني أبداً التفريط في مقومات الشخصية الوطنية .

كامل التمكين للغة العربية
اباي ولد اداعة.