
يقول علماء السياسة، “إن تقييم أي نظام يقاس بمدى انعكاس أدائه ـ سلبا أو إيجابا ـ على حياة الضعيف قبل القوى”.
فماذا لو قمنا بمساءلة نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وحكومته، انطلاقا من هذه المسلمة، وعلى ضوء فرضيتها، وهل كان لأدائه كنظام حكم البلاد منذ سبعة أعوام، انعكاس إيجابي على ضعفاء البلد وفئاته الهشة المهمشة، أم كان أداؤه سلبيا غير ذي جدوى بالنسبة لهم، وما هي مكانة الضعفاء وأولى الخصاصة وشظف العيش في برامج حكوماته المتعاقبة، وهل كان لهم منها حظ ونصيب معلوم، أم تم تجاوزهم وتجاهلهم في غياهب الإهمال
قد يقول قائل ـ وما جانب الصواب ـ إن الحياة العامة للمواطنين تأثرت سلبا بانعكاسات الأزمات العالمية التي شهدتها البشرية خلال السنوات السبع الماضية، بدءا بأزمة كورونا ومرورا بالحرب الروسية الأوكرانية ثم الحرب الأمريكية الإيرانية، وما أدت إليه هذه الأزمات العالمية من تأثير سلبي مشهود على سلاسل التموين والتوريد، وعلى انسيابية حركة التجارة العالمية، وما نتج عن ذلك من ارتفاع في تكاليف النقل البحري، مصحوبا بارتفاع في أسعار البضائع والسلع وتفاقم المضاربات في الأسواق العالمية، وهي أحداث ألقت بظلالها الثقيلة على الدول العظمى والأمم القوية، فما بالك ببلدان العالم الثالث، التي تعيش على التوريد والاستجلاب.
وسعيا إلى تحقيق مساءلة موضوعية للنظام انطلاقا من الظرفية التي وصل فيها إلى الحكم، وما رافقه من أحداث وتطورات محلية وإقليمية ودولية طيلة السنوات الماضية، نطرح بداية الأسئلة المحورية في هذه المساءلة وهي: ما ذا أنجز نظام ولد الغزواني لتخفيف وطأة هذه الأزمات على الفئات الضعيفة، وهل كانت الإجراءات التي اتخذها مجرد معالجات صورية آنية لتخفيف وطأة تلك الأزمات بشكل عابر، أم أنها كانت فعلا إجراءات تلامس في العمق حياة الضعفاء والمساكين القابعين خلف أسوار الفقر والهشاشة، والنازحين من أرياف الداخل خشية إملاق، من الفقراء المهاجرين عن مواطنهم الأصلية الذين أخرجهم العوز وقلة ذات اليد، وأحصروا في دوامة الفاقة والفقر بأحياء الهوامش في نواكشوط وبعض مدن وأرياف الداخل.
وهل حالت تلك الأزمات ومتطلبات مقارعتها والحد من تأثير تداعياتها الكارثية، دون تنفيذ برامج ومشاريع ذات نفع عام على السكان، خصوصا الضعفاء من النساء والذراري والعجزة.
وللخوض في كنه هذه الأسئلة بغية الرد عليها، لا مندوحة عن استخدام لغة الواقع الشاهد القائم الذي لا ريب فيه ولا محاباة، وحتى لا تبقى المساءلة مجر سرد للكلام على عواهنه، أو رجما بالغيب لا برهان له، فلنعد إلى أيام جائحة كورونا بعد بضعة أشهر من وصول محمد ولد الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم، وسنتذكر بداهة سلسة إجراءات إغاثية عاجلة أعلن عنها ساعتها، تميزت بالمواءمة بين متطلبات التنمية ومستعجلات حالات التدخل السريع التي استدعتها الإجراءات القاسية التي فرضها الوباء، وكان لتلك التدخلات الأثر البين في تجاوز محنة أيام الإغلاق والخوف والتوجس التي سادت أرجاء العالم، بأقل الخسائر الممكنة، فأطلق حملة للتوزيعات النقدية المجانية استهدفت حينها أكثر من 200 ألف أسرة، وأخرى لتوزيع المواد الغذائية على جناح السرعة وتسليمها للمحتاجين في مساكنهم دون اللجوء إلى الطوابير والوساطات، وأعلن عن بعض الإعفاءات الجزئية أحيانا والكلية أحيانا أخرى من الضرائب وفواتير الماء والكهرباء، استفاد منها مئات الآلاف من ذوي الدخل المحدود وساكنة الأرياف في داخل البلاد.
كما اعتمد رزمة برامج للحماية الاجتماعية ذات طابع مستدام، فحسب معطيات نشرها البنك الدولي، تم دمج أكثر من 113 ألف أسرة من معدومي الدخل وأصحاب الدخل المحدود، في نظام الضمان الصحي المجاني الشامل، واستفاد أكثر من مليون ونصف من المساعدات الاجتماعية، كما شملت التحويلات النقدية في إطار برنامج “تكافل” المئات من الأسر الأشد فقرا فكان لها تأثير إيجابي على حياتهم اليومية ـ والعهدة دائما على البنك الدولي ـ وتم رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50% ليصبح 45 ألف أوقية قديمة، بدلا من 30 ألف أوقية قديمة.
كما أعلن عن زيادات في رواتب العمال والموظفين بلغت 100% بالنسبة لعمال قطاع الصحة وعمال الإعلام العمومي الذين اكتُتب أكثر من 1860 منهم بشكل رسمي في مؤسساتهم بعد أن قاسوا فيها عذابات التعاون الظالم المنهك سنين طويلة، واستفاد عمال قطاع التعليم من زيادات معتبرة في علاوات الطبشور والبعد وغيرها، وحظي عمال القاطعين العام والخاص بزيادات متتالية، ورفعت سن التقاعد إلى 63 عاما، وزيدت المعاشات الرئيسية للمتقاعدين المدنيين والعسكريين بنسبة 100%، وتمت مضاعفة معاشات أرامل المتقاعدين، وأصبحت تصرف شهريا بعد أن كانت فصلية (كل ثلاثة أشهر)، وقد ناهز عدد المتقاعدين المستفيدين من هذه الإجراءات حوالي 30 ألف متقاعد، وأضيف الوالدان إلى قائمة المستفيدين من التأمين الصحي، وتم اكتتاب مئات الأشخاص من ذوي الإعاقة في سلك الوظيفة العمومية.
كما أطلق رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني مشروع المدرسة الجمهورية التي كان أبناء الفقراء والمهمشين في طليعة المستفيدين منه، فلم تعد معايير الوفرة المادية عند بعضنا، ولا ندرتها عند بعضنا الآخر، تشكل حاجزا تفاضليا بين التلاميذ، فأصبح أبناء الجميع يدرسون على نفس المقاعد وفي نفس الفصل وعلى نفس المعلم، ويقفون في ذات الصف كل صباح، الساق بالساق والمنكب بالمنكب والزي بالزي، دون تمييز أو محاباة، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين لون ولون، ومن أجل استيعاب آلاف التلاميذ القادمين من المدارس الخصوصية، تم تشييد أكثر من 6000 فصل دراسي في مختلف ولايات الوطن، وأعيد تأهيل مئات المباني المدرسية الأخرى، واكتتب آلاف المعلمين والأساتذة، وتم استحداث سكن داخلي للتلاميذ المنحدرين من أسر فقيرة انطلقت تجربته في بعض ولايات الداخل.
وتشجيعا للسكان على البقاء في مواطنهم الأصلية التي طرد الجفاف والحرمان معظمهم منها، وفي إطار العون الحكومي، شرعت الدولة في تنفيذ مشاريع تنموية في داخل البلاد أسفرت حتى الآن عن حفر قرابة 300 بئر ارتوازية، وتشييد أكثر من 100 شبكة مائية، إضافة إلى عشرات السدود والحواجز المائية، وأطلقت مشاريع لتمويل التعاونيات السكانية وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل، كما أنشأت برنامج السكن الاجتماعي (داري).
وخصصت تمويلات ضخمة لتحسين الخدمات الصحية العمومية على عموم التراب الوطني، وذلك عبر تشييد عشرات المستشفيات والمستوصفات والمراكز الصحية، وتوفير الطواقم البشرية والتجهيزات والمعدات اللازمة لتشغيلها، ويتوقع أن يستفيد من هذا البرنامج مليونان ونصف من السكان حسب تقديرات البنك الدولي، معظمهم من النساء والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، كما تم اعتماد الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية 2024–2030 لتوسيع وتجويد التغطية وتحسين الوصول إلى الخدمات الصحية.
هذا إذن جانب يسير من حصيلة نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في إطار سعيه لتحسين أوضاع السكان من ذوي الدخل المعدوم أو المحدود، وتمكينهم من الولوج إلى الخدمات العمومية للدولة، وهي معطيات يمكن أن ننطلق منها ومن غيرها، في الرد على مساءلة النظام عما أنجز لصالح الضعفاء قبل الأقوياء، ثم نحكم عليه بعد ذلك، انطلاقا من القاعدة السياسية السالفة الذكر والتي تقول “إن تقييم أي نظام يقاس بمدى انعكاس أدائه ـ سلبا أو إيجابا ـ على حياة الضعيف قبل القوى”.
محمد محمود أبو المعالي
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال