المأمورية الثالثة وفخ الاستعجال كيف تُهدد السياسة برنامج طموحي للوطن ؟!

يُثير الترويج لمأمورية رئاسية ثالثة من منتصف الطريق و قبل الآجال القانونية لغطاً واسعاً في الساحة السياسية،
و يطرح تساؤلات حقيقية حول الجدوى السياسية و الوطنية من هكذا دعوات ،
نظراً لتعارضها الصريح مع الضوابط و القيود الدستورية الصارمة التي تحظر تجاوز ولايتين رئاسيتين تحصيناً للتناوب السلمي على السلطة و إستقرار البلاد ،
صحيح الدستور ليس قرآناً، فهو وثيقة بشرية وُضعت لتتطور مع العصر. لكن هذه المرونة القانونية لا تعني أبداً تحويل العقد الاجتماعي الأعلى للدولة إلى لعبة في يد العابثين، يُعاد تفصيلها مع نهاية كل عهدة رئاسية، لتتحول التعديلات الدستورية إلى طقس دوري يلازم رحيل أو مجيء كل نظام.
المفارقة أن هذه النخب من أصحاب الإمتيازات الخاصة و النفوذ السياسي و المال المشبوه ترفع دائما لافتة المصلحة الوطنية لتغطية احتكارها للشأن العام ،
و بهدف إبقاء مفاصل الدولة رهينة لمصالحها في كل الأوقات،
خوفاً من دولة المؤسسات التي تحاسب و تساوي بين الجميع.
إن تنقل هذه الوجوه ذاتها بشعاراتها الجاهزة من عهد إلى عهد، يمثل العائق الأكبر أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي.
لقد حان الوقت ليُدرِك الجميع أن ديمقراطية الواجهة التي يصنعها المنتفعون لا تٓبنِي وطناً ، فالولاء الحقيقي يكون للوطن ،الدستور و المؤسسات،
أما ولاء أصحاب السيارات الفاخرة رباعية الدفع فهو بضاعة كاسدة تنتهي صلاحيتها فور انتهاء المصالح.
وكان فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني ،
قد حذر شخصياً في مناسبات سابقة من الخوض في هذه السجالات العقيمة، داعياً إلى تركيز كافة الجهود والطاقات الوطنية على تنفيذ بنود برنامجه الانتخابي (طموحي للوطن) وتنزيله على أرض الواقع.
إن هذه المطالبات المبكرة لا تُجافي فقط النص الدستوري الصريح وتوجهات الرئاسة، بل تُشكل أيضاً عامل تشويش مباشر على أولويات المرحلة الراهنة التي تشهد تحديات معيشية كبيرة و كبيرة جدا و ضغوطا يومية هائلة ،
في ظل موجة غلاء أسعار غير مسبوقة و تدهو البنية التحتية و الطرقية و تدني الخدمات الأساسية كالتعليم، الصحة ، المياه و الكهرباء ..
و هي قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطن ،
و تتطلب استنفاراً حكومياً كاملاً بدل الانشغال بالدعاية السياسية.
إن الوفاء بالتعهدات الاجتماعية و الاقتصادية الواردة في البرنامج الإنتخابي يستدعي بيئة سياسية مستقرة و موجهة بالكامل نحو الإنجاز ،
بينما تؤدي دعوات المأمورية الثالثة إلى إدخال المشهد في دوامة من الاستقطاب و التوتر والجمود قد تنعكس سلبا علي وتيرة الإصلاحات الإقتصادية و الاجتماعية الحاصلة و المطلوبة ،
و هو ما يمكن للبلاد تفاديه.
حيث يرى الكثير من المراقبين و القوى الوطنية أن هذه الدعوات تحركها مصالح ضيقة لا تخدم التوجهات الرسمية المعلنة، ليبقى الرهان الحقيقي والوحيد اليوم هو تحقيق الإنجاز الملموس على الأرض، و توفير الخدمات الأساسية بانتظام، و تلبية تطلعات المواطنين المشروعة في التنمية و العيش الكريم ،
وهو ما يعني بالمختصر المفيد تقديم الإنجاز وإثبات الكفاءة في الميدان قبل أي حديث عن المستقبل .
بالتأكيد لم يعد صراع الأجنحة والنفوذ داخل المشهد السياسي اليوم مجرد تدافع تقليدي على المناصب أو تسابق مشروع في حشد القواعد، بل تجاوز ذلك إلى منطقة شديدة الحرج والخطورة، ليطال المشترك الأسمى والجامع الروحي للأمة.إن المشهد السريالي المقلق الذي تجسد مؤخراً في إقامة جماعتين منفصلتين لصلاة واحدة، في مكان واحد و وقت واحد، من طرف منتسبي حزب سياسي واحد (حزب الإنصاف الحاكم)، يعطي إشارة إنذار مبكر على أن قطار الخلاف قد حاد عن سكته الطبيعية.
فحين تتحول العبادة من مظلة للوحدة و التعالي على الصغائر إلى أداة لإثبات الوجود السياسي و المكايدة الحزبية، ندرك أننا أمام أزمة وعي حقيقية تغذيها ولاءات ضيقة قبلية و جهوية و نفعية،
المفارقة الصارخة هنا هي أن هذا الجمهور الحزبي الذي يعجز عن توحيد صفوفه خلف إمام واحد في صلاة واحدة مرضاة لرب واحد ،
هو نفسه الذي يتسابق اليوم في إطلاق فوضى المبادرات و اللقاءات للدعوة المبكرة و المخالفة للدستور لمأمورية رئاسية ثالثة !
إنهم يظهرون ولاءً حزبياً كاذباً في منتصف الولاية الحالية، متجاهلين التحذيرات الصريحة لفخامة رئيس الجمهورية بنبذ هذه السجالات العقيمة، والتركيز على تنفيذ بنود برنامجه طموحي للوطن .
إن تشتيت الجهد الحكومي والإصلاحي في صراعات نفوذ سابقة لأوانها، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات حادة في قطاعات حيوية هو عبث سياسي بمصالح الشعب. لقد سئم المواطن الشعارات الجوفاء، ولم يعد يراهن سوى على الإنجاز الملموس على أرض الواقع .
إن الرهان الحقيقي المتبقي اليوم أمام القوى الوطنية لا يكمن في إطلاق المبادرات الارتجالية أو التسابق في حشد القواعد لغايات شخصية أو لحاجة في نفس يعقوب ،
بل في الالتفات لمعاناة المواطن، وتحقيق الإنجاز الملموس على أرض الواقع، وصون المكتسبات الدستورية التي تضمن استقرار البلاد وأمنها الروحي والسياسي.
ففي الوقت الذي تُكابد فيه الفئات الهشة بصمت وصبر لتأمين أدني مقومات الحياة و حفظ رمق لقمة العيش المتعذرة ،
تطالعنا من حين لآخر داخل الفضاء العام طوابير سيارات الدفع الرباعي الفارهة وهي تجوب البلاد طولاً و عرضاً تحت غطاء المبادرات السياسية . غير أن خطورة هذه المشاهد لم تعد تقف عند حدود الاستعراض الفج والمجاهرة بالتبذير المالي، بل تعدتها لتصبح منصات صاخبة لإطلاق دعوات سابقة لأوانها تطالب بمأمورية ثالثة.
إن هذه التحركات المُكٓرِسة للتملق والنفاق السياسي لا تمثل فقط تبديداً مستفزاً لموارد كان الأولى بها أن توجه لدعم التعليم والصحة والمشاريع التنموية، بل تشكل التفافاً صريحاً على روح النصوص القانونية و مخالفة جسيمة لمواد الدستور المحصنة التي تضمن التداول السلمي على السلطة.
إن القيمة الحقيقية للمواطنة لا تُبنٰى بفخامة المواكب السياسية ولا بخرق الوثيقة الدستورية التي تعاقد عليها الجميع.
الاستقرار الحقيقي وصون كرامة المواطن يقتضيان الكف عن هذه العبثية الاستعراضية و الانتقال الفوري إلى ثقافة الإلتزام بالقانون و احترام الدستور كمرجعية عليا فوق كل الأشخاص و المصالح الضيقة .

فهل من مدكر ؟!

اباي ولد اداعة .