
في الفترة الأخيرة، شهدت البلاد اهتمامًا متزايدًا بتنظيم المهرجانات والفعاليات السياحية، في مسعى إلى تشجيع السياحة الداخلية، والتعريف بالمقدرات الطبيعية والثقافية لمختلف مناطق الوطن. ولا شك أن هذا التوجه يحمل في طياته أهدافًا جميلة، فمن حق المواطن أن يستمتع ببلده، وأن تكتشف الأجيال المختلفة ما تزخر به مناطق موريتانيا من مناظر طبيعية وتراث وثقافة.
غير أن الحديث عن السياحة والمهرجانات في ولاية لعصابة يفرض علينا أن نتوقف قليلًا أمام واقع هذه الولاية، وأن نسأل: هل نحن أمام حاجة إلى مهرجانات أكثر، أم أمام حاجات أساسية أكثر إلحاحًا؟
ولاية لعصابة، بما تملكه من تنوع طبيعي وثقافي، قادرة فعلًا على أن تكون وجهة مهمة للسياحة الداخلية. لكن السياحة، في معناها الحقيقي، لا تقوم فقط على تنظيم مهرجان لبضعة أيام، وإنما تحتاج إلى بنية تحتية وخدمات أساسية تجعل الزائر قادرًا على الوصول إلى المنطقة والإقامة فيها والتنقل داخلها والاستفادة من مؤهلاتها السياحية.
ولعل من أكثر الملفات إلحاحًا في الولاية الوضعية الصحية، التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام، إلى جانب ضعف البنية التحتية، وصعوبة التنقل في بعض المناطق، والحاجة إلى تحسين الخدمات الأساسية. وهذه كلها أمور لا يمكن فصلها عن أي مشروع جاد لتنمية السياحة.
ثم هناك الجانب الاقتصادي والاجتماعي. فالمواطن في لعصابة يواجه، مثل غيره من المواطنين، ظروفًا اقتصادية صعبة، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يجعل الأولويات اليومية للسكان مرتبطة أساسًا بتوفير الخدمات الضرورية وفرص العمل وتحسين ظروف المعيشة.
ولذلك، فإن انتقاد المهرجانات لا يعني بالضرورة رفضها، كما أن المطالبة بتحسين الخدمات لا تعني التقليل من أهمية السياحة. بالعكس، يمكن أن تكون السياحة جزءًا من الحل إذا ما أُدرجت ضمن رؤية تنموية شاملة، بدل أن تبقى مجرد مناسبة موسمية تنتهي بانتهاء أيام المهرجان.
إن ولاية لعصابة لا تحتاج فقط إلى أن يأتي إليها الزائر من أجل مهرجان، بل تحتاج إلى أن يجد فيها طريقًا جيدًا، ومرفقًا صحيًا قادرًا على تقديم الخدمة، ومياهًا وخدمات أساسية، وأماكن مناسبة للإقامة، وفضاءات ترفيهية، ومشاريع توفر فرصًا اقتصادية للسكان.
فإذا أردنا بالفعل تشجيع السياحة الداخلية، فعلينا أن نجعل الاستثمار في الإنسان والمكان جزءًا من الاستثمار السياحي نفسه. فالسائح الذي يجد منطقة جميلة لكنه يواجه صعوبة في الوصول إليها، أو ضعفًا في الخدمات، لن يكون من السهل أن يعود إليها مرة أخرى.
ومن هنا، فإن السؤال ليس: هل نحن مع المهرجانات السياحية أم ضدها؟
بل السؤال الأهم هو: كيف نجعل من المهرجانات بداية لتنمية حقيقية ومستدامة، لا مجرد حدث عابر؟
لقد آن الأوان لأن ننظر إلى ولاية لعصابة نظرة شاملة؛ نظرة ترى في السياحة فرصة، لكنها في الوقت نفسه ترى أن الصحة والبنية التحتية وتحسين الظروف الاقتصادية ومحاربة ارتفاع الأسعار وتوفير فرص العمل، كلها ملفات لا تقل أهمية، بل إن بعضها أكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطن.
إن المهرجان قد يجذب الزائر لأيام، لكن التنمية الحقيقية هي التي تجعل المواطن يعيش بكرامة طوال العام.
ولهذا، عن المهرجانات السياحية نتحدث، لكننا في الحقيقة نتحدث عن ولاية تحتاج إلى تنمية متكاملة، تجعل من السياحة جزءًا من الحل، لا بديلًا عن معالجة الأولويات.
بقلم / محمد محمود محمد الأمين
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال