

في تيرس زمور، لا يبدو الذهب مجرد ثروة مدفونة تحت الأرض، بل نشاطًا اقتصاديًا واسعًا يمتد عبر عدد من المواقع ويستقطب أعدادًا كبيرة من المنقبين.
وتبرز “شكات”، “أكليب اندور”، “تنومر” و”أزكولا” ضمن أهم مناطق التعدين الأهلي، إلى جانب مواقع أخرى مثل “بواعميمة”، “أرويشة”، “المالحات” والمجاهر القريبة من “بير أم اكرين”.
لكن خلف هذا النشاط الواسع تبرز مسألة أكثر إثارة: كمية الذهب التي يُقدّر أن التعدين التقليدي ينتجها، مقارنة بما يظهر في أرقام الصادرات الرسمية.
فجوة لافتة بين رقمين..
خلال كلمة له عقب اجتماع حكومي، أشار وزير المعادن أدي ولد الزين إلى أن تقديرات المنقبين تشير إلى أن إنتاج التعدين التقليدي يتراوح بين 7 و12 طنًا من الذهب سنويًا.
وتستند هذه التقديرات، بحسب ما ورد في التصريح، إلى معدل إنتاج يقدّر بما بين 20 و30 كيلوغرامًا يوميًا.
وبالحساب السنوي، فإن إنتاجًا بمعدل 20 كيلوغرامًا يوميًا يعادل نحو 7.3 أطنان سنويًا، بينما يؤدي معدل 30 كيلوغرامًا يوميًا إلى نحو 11 طنًا سنويًا.
لكن الوزير أشار في المقابل إلى أن صادرات معادن موريتانيا لا تتجاوز نحو طنين من الذهب سنويًا.
وهنا تظهر فجوة لافتة بين الرقمين.
فعند اعتماد الحد الأدنى لتقدير الإنتاج، أي 7 أطنان، يصل الفرق إلى نحو 5 أطنان. أما عند اعتماد الحد الأعلى، أي 12 طنًا، فقد يصل الفرق إلى 10 أطنان سنويًا.
أين تذهب الكميات المتبقية؟
هذا السؤال لا يحمل في حد ذاته اتهامًا لأي جهة، لكنه يفتح بابًا مهمًا أمام البحث الاستقصائي.
فالفارق بين تقديرات الإنتاج وحجم صادرات معادن موريتانيا قد تكون له تفسيرات متعددة، من بينها اختلاف طرق احتساب الإنتاج، أو تعدد قنوات تسويق الذهب، أو اختلاف الفترات الزمنية التي تغطيها الأرقام.
كما أن الذهب المستخرج لا يتحول بالضرورة مباشرة إلى صادرات في الفترة نفسها.
لذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل هناك ذهب يخرج بطريقة غير قانونية؟
بل، ما هي المسارات التي يسلكها الذهب المنتج في التعدين التقليدي قبل أن يصل إلى السوق أو يدخل في قنوات التصدير الرسمية؟
تيرس زمور.. قلب النشاط
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في تيرس زمور، التي تضم عددًا من أبرز مواقع التعدين الأهلي.
وتتصدر شكات وأكليل اندور وتنومر وأزكولا قائمة المواقع الرئيسية، فيما توجد مجموعة أخرى من المواقع المعروفة بنشاط التعدين، من بينها بواعميمة وأرويشة والمالحات والمجاهر القريبة من بار أم اكرين.
وتعني كثرة المواقع واتساع المساحة الجغرافية أن عملية حصر الإنتاج ومتابعته ليست مهمة سهلة.
كما أن طبيعة التعدين الأهلي، الذي يعتمد على عدد كبير من المنقبين والعمليات الصغيرة والمتوسطة، تجعل الوصول إلى رقم نهائي ودقيق للإنتاج تحديًا قائمًا.
الذهب بين المنجم والسوق
القصة لا تنتهي عند استخراج الذهب من الصخور.
فهناك سلسلة تبدأ بالمنقب، ثم نقل الخام ومعالجته، ثم بيع الذهب وتداوله، وصولًا إلى الجهات التي تتولى شراءه أو تصديره.
وكل مرحلة من هذه المراحل يمكن أن تؤثر على طريقة احتساب الذهب وعلى البيانات التي تظهر في الإحصاءات الرسمية.
ولهذا فإن فهم هذه السلسلة يمثل مفتاحًا أساسيًا للإجابة عن سؤال الفجوة بين الإنتاج المقدر والصادرات المسجلة.
الدولة والذهب الأهلي
فرضت الحكومة رسومًا على صادرات الذهب تصل إلى 3 في المائة.
ويعني ذلك أن حجم الذهب الذي يدخل في القنوات الرسمية لا يمثل مجرد مسألة إحصائية، بل يرتبط أيضًا بالعائدات التي يمكن أن تحصل عليها الدولة من هذا النشاط.
فكلما كانت البيانات المتعلقة بالإنتاج والتسويق أكثر دقة، أصبح من الممكن تقدير القيمة الاقتصادية الحقيقية للتعدين الأهلي بصورة أفضل.
إشكالية الأرقام
ربما تكون أهم نتيجة يمكن استخلاصها من هذه المعطيات هي أن الحصول على رقم دقيق لإنتاج التعدين الأهلي لا يزال صعبًا.
فوجود تقديرات تتحدث عن 7 إلى 12 طنًا سنويًا، مقابل صادرات لا تتجاوز نحو طنين عبر معادن موريتانيا، يجعل الحاجة إلى بيانات أكثر تفصيلًا وشفافية أمرًا واضحًا.
وهنا تبرز أسئلة تحتاج إلى إجابات موثقة:
- ما حجم الإنتاج الحقيقي سنويًا؟
- ما نسبة الذهب التي تمر عبر القنوات الرسمية؟
- ما حجم الذهب الذي يباع محليًا؟
- ما هي أهم مسارات تسويق الذهب؟
- ما حجم مساهمة التعدين الأهلي في الاقتصاد الوطني؟
- وكيف يمكن تحسين نظام تتبع الذهب منذ استخراجه حتى تصديره؟
الخلاصة
تيرس زمور ليست مجرد منطقة تعدين؛ إنها واحدة من أبرز ساحات البحث عن الذهب في موريتانيا.
لكن الثروة الموجودة تحت الأرض ليست هي القصة الوحيدة.
القصة الأخرى هي الثروة التي تخرج من المناجم، والمسار الذي تسلكه، والكمية التي تظهر في الأرقام الرسمية.
وبين تقديرات تتحدث عن إنتاج يتراوح بين 7 و12 طنًا سنويًا، وصادرات لا تتجاوز نحو طنين عبر معادن موريتانيا، تظل هناك فجوة تحتاج إلى تفسير بالأرقام والبيانات.
والسؤال الذي يستحق أن يظل مفتوحًا أمام الجهات المعنية والإعلام والباحثين هو:
إذا كان التعدين التقليدي ينتج ما بين 7 و12 طنًا من الذهب سنويًا، فأين تذهب الكميات التي لا تظهر في صادرات معادن موريتانيا؟
تقرير: محمد محمود/ محمد الأمين
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال