Zwei Fotos im Frame
Foto 1 Foto 2

“موريتانيا بين إرث الماضي واستحقاقات المستقبل” .. لماذا تأخرت التنمية؟”

منذ الاستقلال، لم تكن معركة موريتانيا الكبرى هي بناء الطرق ولا تشييد المباني، بل كانت بناء الإنسان وإقامة دولة العدل والمؤسسات. وبعد أكثر من ستة عقود، لا يزال المواطن يتساءل: لماذا بقيت البلاد، رغم ثرواتها المعدنية والسمكية وموقعها الاستراتيجي، عاجزة عن تحقيق تنمية يشعر بها الجميع؟
لقد ورثت موريتانيا تحديات تاريخية معقدة، من بينها آثار العبودية، والفقر، وضعف البنية التعليمية والصحية، ثم أضيفت إليها خلال العقود اللاحقة مشكلات الفساد، والمحسوبية، وضعف الكفاءة في التعيينات، وتفاوت التنمية بين المناطق. هذه العوامل مجتمعة أضعفت ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وعمقت الإحساس بعدم تكافؤ الفرص.
إن أخطر ما يواجه البلاد اليوم ليس الفقر وحده، وإنما استمرار الفجوة بين الإمكانات الهائلة والنتائج المحدودة. فبلد يملك ثروات طبيعية كبيرة لا ينبغي أن يبقى فيه مواطن يبحث عن الماء الصالح للشرب، أو العلاج، أو مدرسة تحفظ كرامة أطفاله.
ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا ظلت العدالة الاجتماعية مجرد شعار، أو إذا استمرت المحسوبية في تقديم الولاء على الكفاءة. فالتنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح القانون فوق الجميع، ويشعر المواطن بأن الوظيفة العامة حق للأكفأ، لا للأقرب أو الأكثر نفوذًا.
كما أن بقاء آثار العبودية والتمييز الاجتماعي، حيثما وجدت، يتطلب معالجتها بسياسات عادلة تعزز المساواة وتكافؤ الفرص، بعيدًا عن الاستثمار السياسي الذي يزيد الانقسام ولا يقدم حلولًا عملية. فالعدالة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون، وتمكين المواطنين جميعًا من التعليم والعمل والعيش الكريم.
إن الصراع الصامت داخل المجتمع، الناتج عن الشعور بالغبن أو التهميش أو انعدام الفرص، أخطر من أي خلاف سياسي معلن؛ لأنه يقوض الثقة بين مكونات الوطن ويهدد التماسك الاجتماعي. ولا سبيل إلى تجاوزه إلا بدولة قوية، عادلة، تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين.
إن إخراج موريتانيا من دائرة التعثر يتطلب مشروعًا وطنيًا يقوم على عدة أسس: مكافحة الفساد بلا استثناء، وترسيخ مبدأ الكفاءة في التعيينات، وتوزيع عادل لثمار التنمية بين جميع الولايات، والاستثمار الحقيقي في التعليم والصحة، وإصلاح الإدارة، ودعم القضاء ليكون مستقلاً وقادرًا على حماية الحقوق، مع تشجيع الإنتاج والاستثمار وخلق فرص العمل للشباب.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن التنمية لا تتحقق بالموارد وحدها، وإنما بالإدارة الرشيدة، والشفافية، وسيادة القانون، والقيادة التي تجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
موريتانيا ليست دولة فقيرة، بل دولة غنية بالموارد، لكنها بحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قوة، وعدالة يشعر بها الجميع. وعندما تصبح الكفاءة معيارًا، والعدالة أساسًا، والشفافية منهجًا، سيتحول الوطن من ساحة لتبادل الاتهامات إلى ورشة عمل وطنية تصنع المستقبل.
إن التاريخ لا يرحم الأمم التي تهدر فرصها، كما لا ينسى القادة الذين ينجحون في تحويل الثروة إلى تنمية، والسلطة إلى عدالة، والدولة إلى بيت يتساوى فيه جميع المواطنين أمام القانون.

نوح محمد محمود