
من أين بدأت رحلة الإصلاح؟…
كيف أعادت الإدارة الجديدة بناء صونادير ووضعت أسس التحول الزراعي..
لم تعد الشركة الوطنية للتنمية الريفية (صونادير) مجرد مؤسسة تشرف على شبكات الري وصيانة المنشآت الزراعية كما كان ينظر إليها لسنوات، بل أصبحت خلال الفترة الأخيرة حاضرة في مختلف المشاريع الكبرى، وواجهة للتعاون الدولي، وشريكا أساسيا في تنفيذ السياسة الزراعية للدولة، وأحد أهم الفاعلين في الرهان الوطني على تحقيق الأمن الغذائي.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة مسار إداري جديد بدأ مع تولي المدير العام حماده ولد ديدي قيادة المؤسسة، حيث اتجه منذ البداية إلى إعادة تعريف دور صونادير، والانتقال بها من مؤسسة يغلب على عملها الطابع التنفيذي إلى مؤسسة تنموية تجمع بين التخطيط والاستثمار والبحث العلمي والشراكات الدولية.
وفي هذا الملف الخاص، نحاول قراءة أبرز محطات هذا التحول، انطلاقا من الإصلاحات الداخلية، مرورا بالمشاريع الكبرى، وصولا إلى الانفتاح غير المسبوق على المؤسسات الدولية ومراكز البحث الزراعي..
عندما تسلم حماده ولد ديدي إدارة صونادير، كانت المؤسسة تقف أمام تحديات كبيرة فرضتها طبيعة المرحلة. فالطلب الوطني على الإنتاج الزراعي كان يتزايد، فيما أصبحت الدولة تعتبر الأمن الغذائي خيارا سياديا لا يقل أهمية عن مشاريع الطاقة والمعادن، خاصة بعد الأزمات الدولية التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وكان واضحا أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم دون مؤسسة قوية تتولى قيادة التنمية الزراعية المروية، وهو ما جعل صونادير مطالبة بإعادة النظر في أساليب عملها، وتطوير أدواتها، وتوسيع دائرة تدخلها.
من هنا بدأت الإدارة الجديدة في رسم ملامح رؤية مختلفة، تقوم على اعتبار أن دور الشركة لا يقتصر على صيانة القنوات والمنشآت، وإنما يمتد إلى التخطيط، والاستصلاح، وجذب الاستثمار، ومواكبة المنتجين، وربط الزراعة بالبحث العلمي.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، شرعت الإدارة في إعادة تنظيم العمل الداخلي، وإطلاق مراجعة شاملة لأولويات المؤسسة، بما يسمح بتوجيه الجهود نحو المشاريع ذات الأثر المباشر على الإنتاج الوطني.
ومن أبرز ملامح هذه المرحلة، اعتماد منهجية تقوم على الحضور الميداني بدل الإدارة من المكاتب. فقد كثف المدير العام زياراته للمناطق الزراعية، وعقد اجتماعات متواصلة مع المزارعين والاتحادات المهنية، واستمع إلى مختلف الانشغالات المرتبطة بالري والاستصلاح والبذور والتجهيزات الزراعية، وهو ما ساعد على تقريب المؤسسة من المنتجين، وربط القرار الإداري بالواقع الميداني.
وفي الوقت نفسه، بدأت صونادير العمل على إعداد رؤية استراتيجية جديدة، تنطلق من تشخيص واقع القطاع الزراعي، وتحدد أولويات التدخل خلال السنوات المقبلة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الهادفة إلى رفع الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الأساسية.
ولم يكن إعداد هذه الرؤية مجرد عمل إداري، بل جاء ثمرة أيام تشاورية جمعت مختلف الفاعلين في القطاع، من قطاعات حكومية وشركاء فنيين ومنتجين وخبراء، بهدف بناء تصور مشترك لمستقبل المؤسسة، وإعادة تحديد مهامها بما يتلاءم مع التحولات التي يشهدها القطاع الزراعي.
وفي إطار هذه المراجعة، أولت الإدارة أهمية خاصة للعنصر البشري، باعتباره المحرك الأساسي لأي إصلاح مؤسسي. ولذلك تم العمل على مراجعة أوضاع الموارد البشرية، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز الكفاءات الفنية، واستقطاب الخبرات القادرة على مواكبة المشاريع الجديدة، مع وضع أسس لتطوير الأداء الإداري داخل المؤسسة.
كما سعت الإدارة إلى ترسيخ ثقافة تقوم على التخطيط والنتائج، بدلا من الاكتفاء بتسيير الأعمال اليومية، وهو ما انعكس على طريقة متابعة المشاريع، وآليات التنسيق مع القطاعات الحكومية والشركاء الفنيين.
وفي الجانب الفني، أعادت صونادير توجيه اهتمامها نحو البنية التحتية الزراعية، باعتبارها الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج. فشهدت عدة مناطق عمليات صيانة وإعادة تأهيل لشبكات الري والمنشآت المائية، مع وضع برامج دورية للمتابعة والتدخل السريع، بهدف تحسين انسيابية المياه وتقليص الأعطاب التي كانت تؤثر على مردودية الاستغلال الزراعي.
ولأن الإدارة الجديدة كانت تدرك أن نجاح أي مشروع زراعي أصبح مرتبطا بالمعرفة أكثر من ارتباطه بالإمكانات المادية وحدها، فقد بدأت منذ وقت مبكر في بناء جسور التعاون مع مؤسسات البحث العلمي، تمهيدا لإدخال نتائج الدراسات والأبحاث في صلب العملية الإنتاجية، وهو ما سيشكل لاحقا أحد أهم عناوين التحول الذي شهدته صونادير.
كما تبنت الشركة رؤية جديدة تجاه الاستثمار الزراعي، تقوم على أن الدولة لم تعد مطالبة وحدها بتمويل كل عمليات الاستصلاح والتطوير، بل ينبغي أن تتحول صونادير إلى منصة تستقطب المستثمرين الوطنيين والأجانب، وتوفر لهم بيئة فنية ومؤسسية تساعد على إطلاق مشاريع إنتاجية كبرى.
هذه المقاربة الجديدة مثلت تحولا في فلسفة عمل المؤسسة، إذ انتقلت من الاكتفاء بإدارة المشاريع العمومية إلى لعب دور الوسيط بين الدولة والمستثمرين والشركاء الدوليين، وهي الرؤية التي ستتجسد لاحقا في عدد من المشاريع الكبرى التي ستتناولها الحلقة الثانية.
ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذا التوجه تظهر من خلال الحضور المتزايد لصونادير في المشهد الزراعي الوطني، ليس فقط كمشرف على منشآت الري، وإنما كفاعل رئيسي في إعداد المشاريع، والتفاوض مع الشركاء، واستقطاب التمويلات، وإطلاق المبادرات التي تستهدف توسيع المساحات المستصلحة وتحسين الإنتاج.
ولعل أبرز ما ميز هذه المرحلة هو أن المؤسسة استعادت حضورها داخل النقاش الوطني حول مستقبل الزراعة، وأصبحت طرفا أساسيا في صياغة السياسات المتعلقة بالتنمية الزراعية، مستفيدة من الدعم الذي أولته السلطات العليا لهذا القطاع باعتباره أحد مفاتيح تحقيق السيادة الغذائية.
لقد أرست هذه الإصلاحات الأساس الذي انطلقت منه صونادير نحو مرحلة جديدة، عنوانها التوسع في المشاريع الكبرى والانفتاح على الاستثمار والشراكات الدولية، وهي المرحلة التي ستشهد إطلاق عدد من أكبر مشاريع الاستصلاح الزراعي في تاريخ المؤسسة.
يتبع في الحلقة الثانية: “مشاريع كبرى غيرت وجه الزراعة… من سوكام إلى بوكى الجديد وامبخ دياك، كيف تحولت صونادير إلى ذراع الدولة في تنفيذ المشاريع الزراعية الاستراتيجية؟”
# البو
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال