Zwei Fotos im Frame
Foto 1 Foto 2

أربع ساعات مع الرئيس .. حين تتحدث الدولة بهدوء وثقة

لم تكن أربع ساعات من البث المباشر مجرد زمن طويل لمؤتمر صحفي، ولم تكن جلسة عابرة بين رئيس الجمهورية وممثلي وسائل الإعلام؛ بل كانت، في تقديري، لحظة سياسية وإعلامية لافتة، كشفت جانبًا من أسلوب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة الحوار، والتعامل مع الأسئلة، ومخاطبة الرأي العام.
فالمؤتمر الصحفي الذي انعقد مساء الجمعة 24 يوليو 2026 بالقصر الرئاسي جاء أصلًا في إطار تعزيز التواصل المباشر مع الرأي العام والإجابة عن أسئلة وسائل الإعلام حول مختلف القضايا الوطنية.

لكن ما لفت الانتباه لم يكن فقط حجم الملفات التي طُرحت، وإنما الطريقة التي أدار بها فخامة الرئيس هذا الحوار الطويل.
أربع ساعات تقريبًا من الأسئلة المتنوعة، بعضها حاد ومباشر، وبعضها يحمل في طياته انتقادات وتساؤلات مشروعة، ومع ذلك ظل الرئيس في كامل تركيزه، هادئًا، متماسكًا، بعيدًا عن التشنج أو الانفعال، ومستعدًا للاستماع قبل الإجابة.
وهنا تظهر قيمة الأسلوب.
البساطة في الظاهر… وعمق القصد
لدى فخامة الرئيس أسلوب خاص في التواصل؛ بساطة في المظهر، وهدوء في اللغة، وعمق في المقصد.
فهو لا يبدو معنيًا بإبهار المتلقي بالعبارات الكبيرة، بقدر ما يبدو حريصًا على إيصال الفكرة، وتوضيح الموقف، وتفكيك الإشكال.
ولعل أبرز ما ميز المؤتمر هو طريقة تعامله مع السؤال الواحد.
كان السؤال في بعض الأحيان يبدو وكأنه نقطة واحدة، لكن الرئيس يتوقف عنده، ويفككه إلى محاور متعددة، ثم يتناول كل محور على حدة، ويمنح كل جزء حقه من الشرح والتوضيح، حتى يخيل للمشاهد أننا أمام عدة أسئلة لا سؤال واحد.
هذه ليست مجرد مهارة في الكلام؛ إنها طريقة في التفكير وإدارة الملفات.
فالرئيس الذي يفكك السؤال إلى عناصره، ويحدد جوانبه، ثم يجيب عنها بتأنٍ، يقدم نموذجًا في التعامل مع القضايا المعقدة بعيدًا عن الإجابات السريعة أو الاختزال المخل.
هدوء لا يعني غياب الحزم
الهدوء الذي ظهر به الرئيس لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره ترددًا أو ضعفًا في الموقف.
على العكس، فقد بدا أن الهدوء بالنسبة إليه أداة لإدارة الاختلاف والحوار.
حتى عندما كانت بعض الأسئلة حادة، لم يتحول النقاش إلى مواجهة شخصية مع الصحفي، ولم يسع الرئيس إلى إحراجه أو التقليل من شأن سؤاله.
بل حضرت أحيانًا روح الدعابة والممازحة، بما خفف من ثقل الحوار، وأعطى للمؤتمر طابعًا إنسانيًا بعيدًا عن الجمود البروتوكولي.
وهنا تحديدًا تظهر أخلاق المسؤول في الحوار: أن تختلف مع السؤال دون أن تختلف مع حق صاحبه في طرحه.
رئيس يستمع قبل أن يجيب
من أهم ما يمكن تسجيله في هذه التجربة أن التواصل السياسي الناجح لا يقوم على الكلام فقط، وإنما يبدأ من حسن الاستماع.
وقد بدا واضحًا أن الرئيس لم يكن في عجلة من أمره لإنهاء الأسئلة أو تجاوزها، وإنما منح مساحة للنقاش، واستوعب تعدد الملفات وتشعبها.
وهذا ينسجم مع الصورة التي أرادت الرئاسة أن تقدمها من خلال المؤتمر: تواصل مباشر مع الرأي العام، وإتاحة الفرصة للإعلام لطرح القضايا الوطنية المختلفة.

المواطن في قلب المشروع
والأهم من طريقة الإجابة هو مضمون الرسالة التي تكررت خلف مختلف الملفات.
ففي أبرز ما نقلته التلفزة الموريتانية عن المؤتمر، أكد الرئيس أن المواطن هو جوهر المشروع الذي تقدم به منذ مأموريته الأولى، وأنه الغاية والوسيلة في آن واحد، رابطًا ذلك بالاستثمار والتنمية وتحسين حياة المواطنين.

وهذه نقطة أساسية لفهم فلسفة الرجل في الحكم.
فالدولة التي يتحدث عنها الرئيس ليست مجرد مؤسسات وهياكل وقوانين، وإنما دولة يكون المواطن في مركز اهتمامها، والتنمية وسيلة لتحسين حياته، والمؤسسات إطارًا لضمان استمرارية العمل العام.
دولة المؤسسات… مسؤولية الجميع
ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من هذا الأسلوب هي أن بناء الدولة ليس مسؤولية الرئيس وحده.
إن مشروع الدولة الحديثة لا يقوم على شخص واحد، مهما كانت صلاحياته، وإنما على مؤسسات قوية، وإدارة مسؤولة، وموظف يؤدي واجبه، وسياسي يمارس دوره، وصحفي يسأل، ومواطن يراقب ويشارك.
وهنا تكمن أهمية فكرة المسؤولية الجماعية.
نحن أمام مرحلة تحتاج إلى أن ينتقل فيها النقاش الوطني من سؤال:
«ماذا سيفعل الرئيس؟»
إلى سؤال أكثر نضجًا:
«ماذا سنفعل جميعًا من أجل موريتانيا التي نريدها؟»
فالدولة التي تتغير إلى الأفضل لا يصنعها الرئيس وحده، ولا الحكومة وحدها، ولا الحزب وحده، ولا المعارضة وحدها؛ بل يصنعها تراكم مسؤوليات ومؤسسات وأفراد يؤمنون بأن الوطن أكبر من الأشخاص.
مؤتمر صحفي… لكنه أيضًا رسالة سياسية
لهذا أعتقد أن أهمية مؤتمر البارحة تتجاوز كونه لقاءً إعلاميًا.
لقد كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة القيادة على الاستماع، والتفسير، والرد، والتحمل، وإدارة الاختلاف أمام الرأي العام.
وإذا كان البعض سيقرأ المؤتمر من زاوية إجابة هنا أو موقف هناك، فإن القراءة الأوسع هي أن طريقة إدارة الحوار نفسها كانت رسالة.
رسالة تقول إن الحضور السياسي لا يحتاج دائمًا إلى رفع الصوت، وأن قوة الدولة لا تقاس بدرجة التشنج في الخطاب، وأن الثقة بالنفس تسمح للمسؤول بأن يستمع إلى السؤال الصعب دون أن يشعر بأنه مستهدف شخصيًا.
رجل هادئ في زمن صاخب
في زمن أصبحت فيه السياسة في كثير من الأحيان قائمة على سرعة الرد، والانفعال، والمزايدات، ووسائل التواصل الاجتماعي، بدا فخامة الرئيس في هذا المؤتمر مختلفًا في أسلوبه.
هدوء تام دون برود، صراحة دون استفزاز، حزم دون تشنج، ومزاح دون ابتذال.
وقد يكون هذا هو جوهر أسلوبه السياسي: ألا يجعل الضجيج يفرض عليه طريقته في التفكير أو الحديث.
وهنا يمكن فهم العبارة التي تختصر هذا الأسلوب:
بساطة في الظاهر… وعمق في القصد.
فخلف البساطة توجد رؤية لدولة يريدها أن تتغير للأفضل، ومؤسسات تتحمل مسؤولياتها، ومواطن يكون في قلب التنمية، ومجتمع يحتاج إلى أن ينتقل من انتظار الحلول إلى المشاركة في صناعتها.
الخلاصة
قد يختلف الناس في تقييم بعض السياسات والقرارات والنتائج، وهذا طبيعي في أي مجتمع حي، لكن الإنصاف يقتضي أيضًا الاعتراف عندما تقدم القيادة نموذجًا محترمًا في الحوار والاستماع واحترام الصحافة والرأي العام.
وأربع ساعات من الأسئلة والأجوبة، في أجواء اتسمت بالهدوء والتركيز والانفتاح، تقدم مادة مهمة للتأمل في أسلوب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة التواصل السياسي.
فموريتانيا التي نريدها لا تحتاج فقط إلى مشاريع وطرق ومؤسسات، وإنما تحتاج كذلك إلى ثقافة سياسية جديدة: هدوء في الاختلاف، احترام في الحوار، صراحة في النقاش، ومسؤولية في أداء الواجب.
وربما كانت الرسالة الأهم من كل ذلك:
أن بناء الدولة ليس معركة بين أشخاص، بل مشروع وطن؛ وأن نجاح موريتانيا لا يقاس فقط بما يفعله رئيس الجمهورية، وإنما بما ينجزه كل واحد منا في موقعه.

هكذا يمكن أن نفهم أسلوب فخامة الرئيس: هدوء في الخطاب، عمق في القصد، وإيمان بأن موريتانيا القوية لا تُبنى بالضجيج، وإنما بالعمل، وبالمؤسسات، وبالمسؤولية المشتركة.

الدكتور أبيها ولد سُولة