
في عالم تستهويه الأضواء والسبق الإعلامي، تتجلى معادن الرجال الحقيقية في القدرة على الجمع بين أسمى درجات الوفاء الإنساني وأعلى مستويات الانضباط والمسؤولية الوطنية.
تكتمل اليوم ثلاثة عشر عاماً منذ انقطاع الاتصال بالصحفي الموريتاني إسحاق ولد المختار في ريف حلب بسوريا. وطوال هذا العقد ونيف من الغياب والترقب، ضرب الدكتور الحسين ولد مدو مثلاً نادراً في الثبات؛ فمنذ اليوم الأول الذي وضع فيه صورة إسحاق كصورة شخصية لصفحته، لم يقم بحذفها أو استبدالها قط، وظلت ثابتة لا تتزحزح مع كل المناصب الرفيعة التي تقلدها؛ من نقيب للصحفيين، إلى رئيس للسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، وصولاً إلى منصب الوزير الناطق باسم الحكومة، حتى بات بعض المتابعين، من شدة استمرار الصورة وألفتها على حسابه، يظنون أن صاحب الصورة هو ولد مدو نفسه.
لكن هذا الإصرار البصري الصامت لم يكن إلا واجهة لعمل وطني دؤوب ومسؤول يُدار خلف الكواليس:
جهد بصمت وحكمة مسؤولة: خاض الدكتور الحسين ولد مدو مسار متابعة الملف بعيداً عن صخب النشر وحسابات الاستعراض؛ إدراكاً منه لحساسية قضايا الاختطاف والاحتجاز في مناطق النزاع، ويقيناً بأن أي كلمة غير محسوبة أو ضجيج غير مدروس قد يشوش على خيوط البحث أو يدفع الجهة الآسرة إلى التخلص من الرهائن وتعقيد مساعي نجاتهم.
احترام دقيق لقواعد العمل الأمني والدبلوماسي: التزم أقصى درجات الكتمان والسرية التامة، تماشياً مع متطلبات التنسيق المشترك، ولا سيما ما تفرضه السلطات السورية والجهات المعنية من ضرورة الحفاظ على سرية المعلومات حتى يكتمل تحديد الموقع بدقة وتأمين مسار الوصول إلى إسحاق ورفاقه سالمين.
لم يستسلم الدكتور الحسين ولد مدو لتكهنات الوفاة المتسرعة أو الشائعات المحبطة، بل ثبت على العهد، واضعاً حماية ابن الوطن وسلامته فوق كل رغبة في الحديث أو الادعاء. إنها مدرسة في نبل الأخلاق وإدارة الأزمات الحساسة بحس وطني رفيع ومسؤولية حقيقية.
نسأل الله العلي القدير، رادَّ الغائبين وكاشف الكربات، أن يحفظ ابننا البار إسحاق ولد المختار بعينه التي لا تنام، وأن يحيطه بلطفه ورعايته في غربته، وأن يربط على قلوب أهله ومحبيه بفرج عاجل. اللهم احقن دمه، وفُكّ أسره، وسهّل سبل نجاته، وأعده إلى أرض وطنه وأهله سالماً معافى، لتكتمل فرحة موريتانيا بعناق ابنها الذي طال غيابه، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
محمد يسلم باب
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال