الولى الداه يكتب : الذكاء الاصطناعي .. أو حين يختصر التاريخ طريقه

لا يجود التاريخ على الأمم بالطرق المختصرة إلا نادرا. ففي الغالب تسلك التنمية مسارا طويلا، تقطع مراحله واحدة تلو الأخرى، بالترتيب وبكثير من العناء. ومن انطلق متأخرا ظل يلهث خلف من سبقه، وكثيرا ما تبقى المسافة بينهما على حالها.

لكن يحدث، على ندرة، أن تأتي تقنية فتعيد خلط الأوراق. لم يتح لموريتانيا الوقت لتمد خطوط الهاتف الثابت إلى أعماق ولاياتها، ثم جاء الهاتف المحمول، فصار الراعي في آدرار في متناول الاتصال قبل أن تفرغ العاصمة من مد أسلاكها في أحيائها. لقد قفزنا فوق مرحلة كاملة من مراحل التنمية دون أن ننتبه لذلك.

والذكاء الاصطناعي طريق مختصر من الطينة نفسها، لكنه أوسع مدى بما لا يقاس. منحنا الهاتف القدرة على الكلام عن بعد، أما الذكاء الاصطناعي فيمنحنا المعرفة والخبرة والقدرة على الإنجاز. لقد أصبح واقعا قائما، والسؤال الحقيقي هو: ماذا سنفعل به؟

من الكلام إلى الفعل

في البداية كان الذكاء الاصطناعي «التوليدي» الذي عرفه الناس مع «شات جي بي تي»: تطرح سؤالا فيأتيك الجواب منسابا واثقا، وقد يكون خاطئا بالثقة نفسها. وما زال هذا هو الاستعمال الغالب عندنا: تصحيح رسالة أو تلخيص نص.

ثم تعلمت هذه الآلات أن تفكر قبل أن تجيب، وأن تقرأ مئات الصفحات في دقائق، وأن تفهم صورة أو مخططا. وأخيرا، وهنا تكمن ثورة اليوم، تعلمت أن تعمل. لم نعد نطرح عليها سؤالا، بل نسند إليها مهمة: أن تبني تطبيقا، أو تحلل آلاف الوثائق، أو تراقب نظاما معلوماتيا. وهذا ما يعرف بـ«الوكلاء الأذكياء».

في ربيع 2026، أوكلت شركة «أنثروبيك» إلى نموذج جديد يدعى «كلود ميثوس» فحص البرمجيات التي تشغل البنى التحتية الكبرى في العالم، فاكتشف في بضعة أسابيع أكثر من عشرة آلاف ثغرة خطيرة، ظل بعضها كامنا منذ عقود. وتقترح «غوغل» عبر منصة «أنتي غرافيتي» بيئة يتعاون فيها عدة وكلاء على تصميم برنامج وكتابته واختباره في آن واحد. وقد بلغت هذه القدرات حدا أربك حتى صانعيها، فصار بعض الباحثين يطرحون بجدية سؤال وجود شكل من أشكال الوعي لدى هذه الآلات، دون أن يملك أحد جوابا عنه حتى الآن.

أن نكتفي من كل هذا بتصحيح رسائلنا، فذلك تفريط في الجوهر. ومن أخطأ اتجاه التاريخ دفع الثمن، وأسرع مما يظن.

أتحدث عن ذلك عن خبرة. فمنذ سنوات أعمل لدى كبريات المؤسسات في أوروبا، في بيئات إنتاج يترتب على أدنى عطل فيها تكاليف وتبعات جسيمة. واليوم يخصص للذكاء الاصطناعي اجتماع كل أسبوع: شركة تعرض أداتها، وفريق يقدم ما أتمته، ونقاش حول مواضع إدماجه في طرق عملنا. إنها مؤسسات غنية ومجهزة، ومع ذلك تخشى أن يفوتها الركب. وإذا كانت اقتصادات بهذا التقدم تخشى التأخر، فليس لنا أن نبقى متفرجين.

نهاية الظلم الجغرافي

حمل أجدادنا علمهم على ظهور الإبل، من شنقيط ووادان إلى أقاليم أخرى من إفريقيا. أما اليوم فالمعرفة الإنسانية تسري بسرعة الضوء، وصار بوسع أكثر المناطق عزلة أن تنهل منها أسرع وأوسع من أي وقت مضى، فما ينجز ويعرف في أي مكان من العالم بات أخيرا في متناولها.

وقد خطت موريتانيا في هذا الاتجاه خطوات تستحق الإشادة: رقمنة الحالة المدنية، وانتشار الدفع عبر الهاتف، ووصول الهاتف المحمول والإنترنت إلى قرى لم تفك الطرق عزلتها قط. غير أن ما افتقدته هذه المناطق طويلا هو الكفاءات البشرية، المتمركزة في نواكشوط والمدن الكبرى. وحيثما التقط الهاتف إشارة الإنترنت، صار نافذة مفتوحة على خبرة آتية من العالم أجمع.

فالتلميذ يستطيع أن يتعلم مواد لم تكن مدرسته تدرسها لغياب الأساتذة، وأن يمضي بفضوله أبعد بكثير من المقرر الدراسي. والشاب صاحب المشروع يستطيع في ساعات أن يضع خطة كانت تستلزم بالأمس استشارة عدد من الخبراء.

أما الدولة فتشكو داء أخفى: إنها تنسى. تتكدس تقارير التفتيش، وتضيع الملفات، وتبقى المعلومة حبيسة ذاكرة موظف غائب. وبوسع نظام ذكي أن يمنحها ذاكرة: أن يربط الصفقة العمومية بسوابقها، وأن يتابع كل توصية وينبه إلى ما بقي منها حبرا على ورق.

الحريق الذي كان يمكن توقعه

مؤخرا، أغرق حادث في منشأة كهربائية جزءا من العاصمة في الظلام، وكانت له تبعات ثقيلة على المواطنين. فلماذا لا نكتشف العطل دائما إلا لحظة وقوعه؟

الحريق لا يندلع فجأة، فالكارثة تنذر دائما بعلامات خفية. وأنظمتنا تنتج على الدوام سجلات ومؤشرات تروي حالتها، لكن لا بد أن يقرأها أحد، وفي الوقت المناسب. ويبقى العامل البشري مصدر خطر، لا لقصور في الكفاءة، بل لأن للإنسان حدوده ومحدوديته.

أما وكلاء الذكاء الاصطناعي فيقرؤون هذه الإشارات بلا انقطاع، ليلا ونهارا، ويلتقطون الانحراف الذي لا تراه العين البشرية، ويطلقون الإنذار قبل أن تقع الواقعة. لا شيء يسمح بالجزم بأنهم كانوا سيحولون حتما دون ذلك الحادث، لكنهم كانوا سيمنحون مهندسينا عيونا في كل مكان وفي كل حين. وما يصدق على الكهرباء يصدق على الماء والاتصالات والموانئ وأنظمة الدولة.

في أثر المال القذر

تبييض الأموال، وتهريب المخدرات، والتهريب بأشكاله: آفات تنخر بلادنا والمنطقة بأسرها، تشتري الذمم وتهدد على المدى البعيد السلم الأهلي. وعندنا يتسلل المال القذر إلى العقار والأراضي، وتجارة البضائع، والهبات الوهمية والاستثمارات الصورية، ثم يرحل غالبا ليتكاثر خارج البلاد. كل عملية على حدة تبدو بريئة، أما الربط بينها فهو الذي يكشف الخيوط.

والذكاء الاصطناعي يتقن هذا الربط: أن يقاطع السجل العقاري والسجل التجاري والتصريحات الجمركية والصفقات العمومية، وأن يتتبع الشبكات وينبه إلى كل شذوذ. على أن ذلك يستلزم إطارا قانونيا واضحا ورقابة مستقلة، وإلا انقلبت الأداة على المواطنين أنفسهم.

أن نبني دون أن نمد اليد

التحدي الأكبر لبلد نام أن ينجز بنفسه أكبر قدر من مشاريعه. غير أن الخبرة ما زالت تنقصنا، خصوصا فيما يضمن نجاح المشروع على المدى الطويل: التدقيق والرقابة والمتابعة. وهنا تحديدا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرافقنا: في تقييم العروض، ومتابعة الأوراش، ومراقبة جودة المنجز، ورصد الفجوة بين ما وعد به وما تحقق فعلا.

صار بإمكان فريق موريتاني صغير، حسن التكوين، يسانده وكلاء أذكياء، أن ينجز مهام كانت تتطلب بالأمس إمكانات ضخمة. وكل مشروع ينجز على هذا النحو ينمي خبرة وطنية تبقى في البلد. هنا تتحقق السيادة الفعلية، فالبلد الذي يعرف كيف يبني يظل حرا في اختيار شركائه.

واشنطن وبكين والطريق الثالث

إلى عهد قريب، بدا الذكاء الاصطناعي المتقدم حكرا على بضع شركات أمريكية. ثم أثبتت الصين، بنماذج مثل «ديب سيك» و«كوين»، أن الاقتراب من أفضل النماذج ممكن بجزء يسير من الكلفة. هذه المنافسة تفتح لنا هوامش للتفاوض، لكن تغيير المورد لا يكفي لانتزاع الاستقلال.

الكنز الحقيقي هو النماذج المفتوحة، التي يمكن لأي جهة تثبيتها على أجهزتها وتكييفها: أن نستضيفها عندنا، وندربها على أرشيفنا، ونعلمها الحسانية والبولارية والسوننكية والولفية. ذلك هو الطريق الثالث الذي أدعو إليه: لا تابعين لواشنطن، ولا زبائن لبكين، بل مالكين لأدواتنا.

أسرارنا ليست بيانات كغيرها

كل يوم، في وزاراتنا، يلصق موظف في تطبيق ذكاء اصطناعي موجه للعموم عقدا أو تقريرا سريا أو أرقام مفاوضات جارية، دون أن يسأل نفسه إلى أين تذهب هذه النصوص. إنها ترحل إلى خوادم خارج حدودنا، تخضع لقوانين ليست قوانيننا. والأمر ذاته في المصارف والشركات، حيث يعرض كل عمله على «شات جي بي تي» أو «جيميني» أو غيرهما. يظن أن هاتفه هو الذي يفكر، ولا يرى الآلية الخفية خلف الشاشة.

والحل ليس في المنع، بل في التنظيم: تصنيف بياناتنا بحسب حساسيتها، ووضع إطار للاستخدام، وتوفير نماذج للدولة والمؤسسات مستضافة في بيئات مغلقة، على سحابة سيادية أو في مراكز بياناتنا الخاصة، حيث تدخل المعلومة الحساسة ولا تخرج.

القطار يتوقف أمام بابنا

لكن هذا الطريق المختصر يحتاج إلى من يحسن سلوكه. فلا يبنى اقتصاد المعرفة على شبكة كهربائية هشة، ولا على اتصال متذبذب أحيانا، خصوصا في داخل البلاد. ولا بد كذلك من رجال ونساء مؤهلين، فالأداة لا تحل محل الكفاءة بل تضاعفها. ولا بد من استراتيجية وطنية لها مسؤولون وآجال، ومن ثقة نمنحها أخيرا لكفاءاتنا، في الداخل وفي المهجر.

ولا بد أخيرا أن نغير نظرتنا إلى البيانات، فقد غدت ثروة لا تقل قيمة عن النفط والغاز والحديد، إن لم تفقها. ونحن نعرف ثمن التفريط في ثرواتنا الطبيعية دون أن نحكم السيطرة عليها. لقد آن الأوان لبناء بنى تحتية وطنية تحتضن بياناتنا وتحميها، وتستثمرها في خدمة البلد.

لقد فاتتنا الثورة الصناعية فلم نركب قطارها، ورأينا المعلوماتية تقبل كما نرى قافلة تمر من بعيد. أما هذه المرة، فالقطار يتوقف أمام بابنا، وثمن التذكرة زهيد. ولن يغتفر لنا أن نبقى على الرصيف نصحح رسائلنا.

لم تبن آلة أمة قط. لكن، لأول مرة منذ زمن بعيد، لم يعد ما يفصلنا عن غيرنا مسألة إمكانات، بل مسألة إرادة.

الولى ولد الداه