Zwei Fotos im Frame
Foto 1 Foto 2

بين أزمة القيم و تغيّر المفاهيم من يقود المجتمع اليوم ؟

لا يختلف إثنان علي أننا نعيش اليوم في عصر يتسم بهوس كبير بالمشاهير و المؤثرين، حيث تحول جزء ملحوظ من الاهتمام المجتمعي و الدعم المالي و الاعلامي نحو صناع المحتوى على حساب الفئات الحيوية التي تقود قاطرة الوعي و البناء الفعلي للمجتمع .
كل مجتمعات العالم تواجه بالفعل تحولاً جذرياً في مراكز الثقل والتأثير ,
فبعد أن كانت الريادة الفكرية والمكانة الاجتماعية حكراً على العلماء و الأطباء و المعلمين و قادة الفكر و الرأي ،
أزاحت العولمة الرقمية هؤلاء ليتصدر المشهد المؤثرون و صناع المحتوى .
حيث يمتلك المؤثرون اليوم قدرة فائقة علي إقناع و إستقطاب جيل الشباب الصاعد تتجاوز الوسائل التقليدية ،
هذا التحول يضعنا أمام سؤال مشروع و عميق ،
هل نحن أمام أزمة قيم حقيقية تعصف بوعي المجتمع أم أن ما نشهده مجرد تغيّر طبيعي في المفاهيم تفرضه طبيعة العصر ؟
إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أزمة القيم نجد أن الظاهرة تعكس خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات المجتمعية.
فالقيمة لم تعد تُقاس بحجم النفع العام أو الجهد المبذول في طلب العلم، بل بأرقام المتابعات وحجم التفاعل.
خطورة هذه الأزمة تكمن في تزييف مفهوم القدوة ، فحين يتوارى المفكر و يتقدم الاستعراضي يفقد الجيل الناشئ بوصلته الفكرية والأخلاقية،
ويصبح النجاح السريع و السهل هو الغاية ،
مما يهدد بتسطيح الوعي الجمعي وإحباط الطاقات العلمية التي تشعر بالتهميش المادي والمعنوي.
أما من منظور تغيّر المفاهيم، فإن ما يحدث قد يكون امتداداً لانتقال البشرية إلى عصر المعرفة الرقمية. لقد تغيّرت أدوات التواصل و آليات التأثير ،
فلم يعد المتلقي يفضل الخطاب التقليدي الجامد، بل يميل إلى المحتوى البصري السريع و القريب من تفاصيل الحياة اليومية.
في هذا السياق لا يمكن لوم المؤثرين وحدهم بل يقع جزء من المسؤولية على المؤسسات النخبوية والتعليمية التي عجزت عن تطوير أدواتها لتواكب لغة العصر الرقمي،
مما خلق فجوة ملأها صناع المحتوى.
و في سياق أعم نحن لسنا أمام خيارين منفصلين، بل أمام مزيج معقد إنه تغيّر في مفاهيم التواصل أدى بالضرورة إلى أزمة في القيم حين غاب التوازن . إن علاج هذه الظاهرة لا يكون بمحاربة التكنولوجيا أو لوم المنصات ،
بل برقمنة الوعي، بمعني أن ينزل العلماء و قادة الفكر و الرأي و الأطباء و المعلمون إلى الميدان الرقمي،
و أن تدعم السياسات الإعلامية و المجتمعية المحتوى الرصين، ليعود صاحب الفكرة قائداً للمشهد يعني النخبة ،
ويبقى المؤثر في حجمه الطبيعي كأداة ترفيه أو تواصل لا كصانع لقيم الأمة ومستقبلها.
إن استعادة التوازن المجتمعي تتطلب مواكبة التحول الرقمي الذي يشهده العالم و إعادة الاعتبار لمنظومة القيم من خلال تسليط الضوء الإعلامي على الإنجازات العلمية و الفكرية، وتعزيز مكانة المعلم و الطبيب والمفكر في الخطاب العام.
إذ لا يمكن للمجتمعات أن تٓبْنِي نهضة حقيقية بالاعتماد على المحتوى العابر، فالمستقبل تصنعه عقول العلماء والمفكرين ،
لا شاشات الهواتف وأرقام المتابعين .

حفظ الله البلاد و العباد
اباي ولد اداعة.