25 يونيو 2024 , 12:35

من الأقوال الخالدة التي تداعت إلى ذهني وأنا بصدد كتابة هذا الشيء الذي أترك لكم تسميته، المقولة المشهورة: “يفكر الوطني بالأجيال القادمة، أما السياسي فيفكر بالانتخابات القادمة”. لصاحبها الكاتب اللبناني والمفكر العربي شكيب أرسلان، ولا أعرف لأي سبب كان ذلك، غير أنها عبرت عن إحساسي وكثيرين غيري منذ عدة أسابيع بالقرف من جنون التعليقات والتصريحات، والبيانات والانسحابات، وما رافقها من انضمام هنا وتحالف أو تفكك هناك، في حركة صاخبة على وسائط التواصل الاجتماعية بمختلف منابرها، حراك يريد أصحابه أن يكون بطريقة ما سياسيا، وقد تبعه وتخلله سيل عرم من الترشحات المعلنة وغير المعلنة، الطامح أصحابها بشرعية سياسية وجيهة أو بدونها، إلى خوض معترك الرئاسيات القادمة، من جهة، أو نيات الترشحات والترشيحات المفترضة، المعبر عنها بخجل من لدن أصحابها، أو من يرونهم أهلا لذلك…

ولست هنا بصدد تسفيه أو تزكية أو استنكار حق الترشح من طرف أي كان، كظاهرة صحية في الممارسة الديمقراطية، وكخيار تكفله نظم وقوانين التعددية السياسية في بلادنا… ليس هذا هو محل الاستغراب، بقدر ما هو محاولة متواضعة مني لفهم دلالات ومعاني ومرامي هذا الصخب السياسي اللا نمطي، كما وكيفا، وأسلوبا ومدى مشروعية، وأحيانا، توقيتا وعقلانية؛

وهنا أعود إلى مقولة شكيب أرسلان: “يفكر الوطني بالأجيال القادمة، أما السياسي فيفكر بالانتخابات القادمة”. فإلى أي حد ينطبق ذلك على فحوى تصريف فعل “ترشحَ” في المضارع السياسي والاجتماعي الممهد للانتخابات الرئاسية يونيو 2024، وعلى إعادة رسم أبعاد وملامح الخارطة السياسية عندنا تبعا لذلك، قبيل حلول صيف انتخابي يعِد بسخونة متوقعة نسبيا في الأوطسة الحزبية والتحالفات المعارضة خاصة، بعد حسم الاتفاق بالإجماع داخل الأغلبية على فخامة رئيس الجمهورية مرشحا لها، قبل تسخين وطيس الحملة الانتخابية، وبعد التمكن في الآجال القانونية طبعا من حسم ملف الترشحات أو الترشيحات، من داخل الأطر المعارضة، أو من خارجها بالنسبة لـــــ”المستقلين”.

فهل نحن بحاجة في هذه المرحلة إلى “مرشح وطني” – مع حفظ حق المواطنة وصفة الوطنية لغيره – يتمتع برؤية ومشروع سياسي ناضج، يفكر صاحبه في الأجيال القادمة ويفرد مكانة خاصة لكل مستويات الأوضاع المستقبلية والاستراتيجية للبلاد في شتى الميادين الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مرتكزا على تجربة قائمة ونتائج وأسس لا حاجة لصاحبها في فترة تربص قبل الشروع في مجرد التفكير لتحديد خيارات المرحلة التي لا تقبل تضييع الوقت ولا متسع فيها لغير استراحة محارب خبر ميادين الإنجاز، لن يأخذ وقتا طويلا قبل العودة بحماس وبمزيد من التصميم على المضي قدما على دروب التقدم والازدهار..؟

أم نحن بحاجة إلى “مرشح سياسي” – مع حفظ الحق في صفة السياسي لغيره – “يفكر في الانتخابات القادمة” على رأي شكيب أرسلان… ولا شيء غير الفوز في الانتخابات أولا، ثم في التفكير بعد وعثاء الحملة الانتخابية في وضع مشروعه السياسي حيز التطبيق، إن كتب له الفوز، وذلك ما يتطلب إعادة تأسيس للأطر الإدارية العمومية من بنيات مهنية وفنية وتنظيمية، حتى يتمكن من تجهيز قوالب فعله السياسي، أليس ذاك – خارج إطار الضرورة القصوى – طبعا، مضيعة للوقت، في حالتنا التي يحكم فيها البلاد رئيس منتخب في أول عملية تناوب ناجحة في تاريخ البلاد، وقد بدأ بالفعل مسارا تنمويا مثمرا يستحق صاحبه أن يمنح المزيد من الوقت، على شكل مأمورية رئاسية ثانية لاستكمال تنفيذ تعهداته بقيام نهضة شاملة بغية الإقلاع بالبلاد نهائيا من وهاد التخلف والعبور بها إلى فضاءات التقدم والازدهار….؟

سؤالان محوريان يتعين على كل مواطن تحديد الإجابة عليهما بكل دقة، إذ على ذلك تتوقف خيارات يونيو القادم، بين الاستمرار في توطيد وترقية وصيانة المكتسبات الوطنية الكبرى طيلة السنوات الخمس المنصرمة وتأمينها، قبل مضاعفتها، أو العودة بالبلاد إلى مربع ما قبل التفكير في خيارات وتوجهات قد تكون خيرة ووطنية ونافعة، غير أنها بكل تأكيد، لما تنضج بعد حتى في أذهان أصحابها، وهي بالتالي لا يمكن أن تكون أساسا لانطلاقة جديدة نحو مستقبل أفضل…! لأن قوامها محدودية هوامش المناورة وقدرات التأثير في دوائر الدولة والمؤسسات، وغياب ثراء الخبرة والتجربة، ومزايا أواصر ووشائج بنك العلاقات الوطنية والإقليمية والدولية لأصاحبها، بحكم العوامل السلبية لحداثة العهد بممارسة السلطة ولصعوبة التعامل مع إكراهاتها بالنسبة للوافدين الجدد عليها.

وفي انتظار اكتمال ملابسات ما قبل نفاد المهلة القانونية لإيداع الترشحات، يبقى الشيء الذي يجزم أغلب المحللين على تأكيده هو أن مواجهة رئيس بحجم تجربة وخبرة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على المستوى الدبلوماسي والدفاعي والأمني، فضلا عن خلفيته الثقافية والفكرية، وبعده الاجتماعي التقليدي، وبعد مأمورية رئاسية حافلة بالعمل الدؤوب وطنيا ودوليا على بناء مكانته السياسية في الداخل من خلال التهدئة السياسية ونزع فتيل الاستقطاب الذي حكم البلاد لمدة تجاوزت عقدين من الصراع بين مختلف مكونات الطبقة السياسية الوطنية في جو ساخن باستمرار، سيكون أمرا صعبا للغاية، خاصة إذا ما أخذنا في عين الاعتبار ما ميز مأموريته الرئاسية المنقضية من عمل على كسب رهانات التنمية الاجتماعية القاعدية والتكفل بهموم وتطلعات الطبقات الهشة في عموم البلاد عبر سياسات اجتماعية فعالة، لا يعير المنافسون المحتملون له خلال هذه الانتخابات أهمية كبيرة لتأثيراتها الإيجابية البالغة في هذه الطبقات التي تشكل القاعدة العريضة من الناخبين، خاصة في ظل ما عاشه العالم من جوائح وأزمات صحية واقتصادية وسياسية وأمنية ومناخية خانقة، تسببت خلال السنوات الأربع الماضية في تفكيك سلاسل التموين وزعزعة الاستقرار والأمن، ونكلت بغيرها من الركائز والموازين الاقتصادية والتنموية والسياسية، خاصة في شبه المنطقة وشتى أقاليم شمال وغرب ووسط إفريقيا، فضلا عن تأثيرات عدوان الاحتلال الصهيوني الغاشم في الأراضي الفلسطينية السليبة، والحرب الروسية ـــــ الأوكرانية، والحرب في السودان، وما نتج عنها مجتمعة من تأثيرات جيوسياسية هدامة.

ورغم كل تلك الأزمات وتبعاتها الملموسة في غلاء المعيشة وتصاعد أسعار السلع والأغذية والدواء ورسوم النقل والشحن عبر العالم، فإن النظام السياسي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والدولة الموريتانية ممثلة في الحكومات المتعاقبة في عهد ولد الغزواني، لم تجد قط كبير عناء طيلة المأمورية في تسويق وشرح وتقديم المبررات الموضوعية الماثلة التي منعت من تحقيق النسب التنموية المعتبرة التي كانت متوقعة غداة تسلمه مقاليد الحكم، كما أن الأغلبية الساحقة من مختلف أطياف المواطنين الموريتانيين ومن مختلف المستويات، لم تجد هي الأخرى عناء كبيرا في تقبل وتبني الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الملموسة التي تحققت رغم صعوبة الظرفية الدولية، بل اعتبرتها دليلا على أن أي تحسن مهما كان طفيفا في هذه الأزمات العالمية متعددة الأوجه سينعكس إيجابا على حياتها وعلى تحسين أوضاعها، وذلك لما لمسته من عمل دؤوب في مجال الصحة مثلا، عبر تحسين مستوى الضمان الصحي والتكوين وتحسين الخبرة وجودة الأدوية كما وكيفا وأسعارا ، وكذا في مجال المرافق الصحية وتجهيزها وبنيتها التحتية في عموم ولايات البلاد؛

وفي مجال آخر كالتعليم حققت البلاد في السنوات الخمس المنصرمة عبر ما عرفه هذا المجال من إصلاح إطلاق المدرسة الجمهورية، وجعلها مختبرا لإنضاج الشخصية الموريتانية الأصيلة المتصالحة مع ذاتها، والمتدثرة بأسس وثوابت الدين والوحدة الوطنية، كما أسس هذا الخيار الوطني المركزي لصهر ملامح الشخصية الاجتماعية الموريتانية في بوتقة واحدة قوامها التقارب والتعاضد والتضامن والتآزر عبر تدريس مختلف اللغات الوطنية في المراحل الابتدائية، وإحداث ثورة مشهودة في تكوين وترقية المصادر البشرية وترميم وبناء وتشييد المدارس والمعاهد المهنية المتخصصة والكليات والجامعات، وفي ميدان الزراعة والتنمية الحيوانية عبر إطلاق العديد من المشاريع البنيوية في هذا المجال، كان لها الأثر في التأسيس لقيام نهضة فلاحية سيكون لها الأثر في خلق المناخ الملائم للوصول إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الزراعي والحيواني، هذا فضلا عن البنية التحتية الطرقية والمينائية والنقل الجوي والسياحة والمهن الحرة وتشغيل الشباب وترقية الثقافة والفنون والرياضة، عبر إطلاق برامج طموحة في هذا المجال بالتزامن مع ترقية الحواضن والبنى التحتية الرياضية والشبابية والجمعوية.

وعلى مستوى الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي وترقية حواضنه العلمية والروحية الطبيعية من مساجد ومحاظر ومعاهد وجامعات ومنشورات كالمصحف الموريتاني الجديد الذي اكتملت طباعته وتنقيحه قبل الشروع في نشره قريبا، على نفقة الدولة وبتكفل منها دون تدخل من الفاعلين الخواص لأول مرة، ومن وسائل إعلام سمعية بصرية (إذاعة القرآن ــــــــ تلفزيون المحظرة ـــــــ الكراسي العلمية والمحاضرات والدروس الرمضانية والمسابقات التلفزيونية والإذاعية في المؤسسات الإعلامية من إذاعة وتلفزيون ووكالة أنباء وغيرها..)، وهي متخصصة في ترقية الثقافة الإسلامية كعلوم القرآن وأصول الفقه والسيرة النبوية واللغة العربية وعلومها… فضلا عن إنشاء دار للزكاة وتطوير لإدارة الأوقاف ورعاية للأيتام والتكوين المهني لخريجي المحاظر، والرعاية الراقية للحجاج عبر تعميم أكثر الخدمات تطورا في مجال النقل الجوي والإسكان والإعاشة لصالحهم.

كل ذلك في ظل تهدئة سياسية راسخة كسرت منطق الشحن والاستقطاب والتأزيم، وارتكزت بدل ذلك على مقاربة جديدة في التشاور والتعاطي السياسي بين المعارضة والأغلبية الحاكمة بشأن القضايا الوطنية الكبرى ومحددات الشأن الديمقراطي ودولة المؤسسات، كما كان لها دور بارز في وضع أسس توافقية متينة لتقوية الجبهة الداخلية في وجه التحديات الأمنية والجيوسياسية المتقلبة في الحيزين العربي والإفريقي وفي العالم من حولنا، مهما كانت التباينات السياسية في التقييم مختلفة بحكم منطلقات أصحابها من داخل مربع المعارضة أو من صلب دوائر الأغلبية، الشيء الذي ضمن سيرا منتظما دون انقطاع ولا اضطراب في عمل كل المؤسسات الدستورية التشريعية والتنفيذية والقضائية الوطنية، طبقا لروح الدستور والقوانين والنظم التي يقوم عليها النظام الجمهوري، وترتكز عليها مختلف أوجه حياة دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية.

وعلى المستوى الإقليمي والعربي والقاري والدولي، يظل رئيس الجمهورية / المرشح السيد محمد ولد الشيخ الغزواني أكثر من غيره متمكنا من الخبرة والتجربة وشبكة العلاقات الدولية متعددة الأبعاد، التي يتمتع بها في المجال العسكري والأمني والدبلوماسي والثقافي، وكذلك على المستويات الشخصية والسياسية والجيوسياسية، وهي عناصر قوة يتعذر توفرها لدى منافسيه المحتملين، فضلا عن حاجة موريتانيا الماسة في هذه المرحلة الاقتصادية والأمنية والسياسية إلى من يتصف بميزات نوعية في معرفة خفايا وأسرار الشأن العسكري والأمني الوطني والدولي والإطلاع عليها أساسا، كما تربطه في نفس الوقت علاقات وطيدة مع قيادات مراكز القرار الأمني في أوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وحلف الشمال الأطلسي وروسيا والصين، وبلدان مجلس التعاون الخليجي وتركية، فضلا عن محيطنا المباشر في بلدان المغرب العربي، ودول ما كان يعرف بـ”بلدان الساحل الخمس” ومجموعة دول غرب إفريقيا، ومجموعة دول حوض البحر الأبيض المتوسط المعروفة بـ5+5، وغيرها من التكتلات الإقليمية وشبه الإقليمية الفاعلة في الشأن الاقتصادي والأمني والدبلوماسي، وفي مجال مكافحة الإرهاب والهجرة غير القانونية، وتهريب المخدرات والمتاجرة بالبشر، وغيرها من الجرائم العابرة للحدود، كما أن تجربته الشخصية من مراكز القرار في تسيير كل تلك الملفات، لأكثر من خمسة عشر عاما، تشكل فرقا شاسعا لصالحه، يميزه عن غيره من مواطنينا المحترمين الطامحين إلى نيل ثقة الشعب الموريتاني في الاستحقاقات القادمة.

وبناء على ما تقدم يتعين أن يعي كل الموريتانيين بما فيهم من يعارضون الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، أن رئاسيات 29 يونيو 2024.. هي أولا وأخيرا “استحقاق لتحصين المكاسب الوطنية الكبرى، والمضي في مسار العبور الآمن نحو مستقبل أفضل، وأن مسؤولية تاريخية كبيرة تقع على كواهلنا جميعا ونحن مقبلون على استحقاق انتخابي رئاسي مفصلي أكثر من أي وقت مضى، وفي ظرفية جيوسياسية محلية وِشبه إقليمية، ودولية دقيقة وخطيرة، ومفعمة بالتحديات، خاصة على المستويين الأمني والاقتصادي، ولن يكون فيها مكان لتضييع الفرص الاستراتيجية التي لا تتكرر، وأن يتذكروا أن شعوبا ودولا كانت في مستوى دولتنا، وأخرى كانت أقوى منها وأكثر منعة، انهارت بين عشية وضحاها، لأن شعوبها ونخبها بكل بساطة، لم تلتقط الرسائل الصحيحة في التوقيت الصحيح، وكانت ضحية “للدعاية السياسية” و”خادعت نفسها” من حيث لا تدري… فانطبقت عليها مقولة الفيلسوف الاجتماعي مؤلف كتاب “محنة التغيير” الأمريكي / أريك هوفر(Eric Hoffer) : “الدعاية السياسية لا تخدع الناس، لكنها تساعدهم على خداع أنفسهم”.

بقلم/الكاتب الصحفي المختار ولد عبد الله.

شاهد أيضاً

السلامة فوق كل اعتبار

في مواجهة العواصف التي تجتاح منطقتنا من صراعات مسلحة، وحروب على الهوية، وجريمة عابرة للحدود، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *