الانتخابات والثقافة والفن/ الباحث إدريس قري – المرابع ميديا – al-maraabimedias
20 سبتمبر 2021 , 2:21
أخبار عاجلة
الرئيسية / الثقافة والفنون / الانتخابات والثقافة والفن/ الباحث إدريس قري

الانتخابات والثقافة والفن/ الباحث إدريس قري

نتطرق لهذا الموضوع بمناسبة الانتخابات الهامة التي تعرفها بلادنا هذا الشهر، والتي انطلقت حملتها وسط آمال عريضة بأن يشكل السلوك السياسي فيها قطيعة حقيقية مع سابقاتها من حيث دوافع التصويت لا الترشح، فالأحزاب لم تعرف تغييرات في نخبها ولا في معاييرها التنظيمية أو التدبيرية للانتخابات، كما لم تعرف سوى تراجع أكثر في حياتها خارج الانتخابات، وهو ما يصعب معه التقاط أي تغييرات حاسمة في طبيعة عملها السياسي، وفي تعاطيها مع اكتساب مشروع مجتمع متكامل تُمحوِرُ حوله برامجها المقترحة خلال الانتخابات.

من الملاحظ أن هناك نوعا من النمو في التعاطي مع الثقافة والفن ومع المثقفين والفنانين في هذه الانتخابات. ليس الأمر جديدا بل لربما كان هذا التعاطي أقوى وأوضح خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي بالمغرب، لكن اهتمامنا بالموضوع في هذه المقالة هو من أجل أجيال اليوم التي قد لا تربط من جهة الماضي بالحاضر في “توظيف” المثقف والفنان في الانتخابات، عن طواعية منه، في معركة قد لا تليق والطبيعة النبيلة لعمله إن كان واعيا بها ويرقى إلى مستواها، وإدراكه للوظيفية السامية والمنتجة للثقافة وللفن بالنسبة لهذه الأجيال. فنحن نعتقد، ومن خلال معاينات طويلة الأمد، أن أجيال اليوم تحتاج تذكيرا بماضٍ ملهم كيفما كان الحال، وبمقارنات كي تعي أكثر ما تعيشه. مبرر ما نقوله هو أننا اليوم نتواجد، مع أجيال الشباب، في ظل تسليعٍ وتسطيحٍ واختزالٍ للثقافة وللفن غير مسبوق، يرى فيها مجرد أداة تأثيثية وترفيهية مفرغة من أي رسالة إبداعية وتربوية وتواصلية، تجمع بحذقٍ بين المُتعة والتثقيف والإعلام والتواصل، وبين تنمية الذوق والإدماج في الجماعة والمجتمع.

الثقافة والفن والسلطة

يتعلق الأمر بعلاقة تتوقف طبيعتها على طبيعة السلطة السياسية، بمكوناتها المؤسساتية والحزبية إلخ، في البلاد المعنية. فالثقافة والفن رافعتان قد تكرسان القائم من الأوضاع وتغلقان باب الابتكار والإبداع الرفيع في الغالب في غياب ديمقراطية وفضاءات ومؤسسات وأطر وبرامج تربوية مستدامة للتربية على العقلانية والحوار والحرية والتعدد والتعايش والتسامح. يصبح المجتمع في حالة كهذه أمام ثقافة وفن مختزلين لمجرد آلية ناجعة لتفريخ المزيد من الانتهازيين والإنتاج متوسط وتافه المستوى، الذي يزدهر على حساب الإنتاج النبيل السامي الذي وحده يصلح لخوض غمار المنافسات بين الأمم في أعلى المستويات. إلا أن الثقافة والفن قد يحققان في هذه الحالة أيضا، الرواج والاستهلاك الواسع والوحدة الانفعالية الشوفينية، وليس العقلانية الواعية راسخة الأسس الثقافية والاجتماعية، وذلك على أسس الميديوكراسيا ومعاييرها المراهنة على الكم لا الكيف، والوسطية واللوبيينغ والتقاء المصالح والعلاقات غير الرسمية، وليس الذكاء والتفوق والاستحقاق.

في سياق كهذا، تزدهر الصناعات الفنية والثقافية الدعائية التابعة للمؤسسة ومقرريها، فتكون في الغالب الأعم ضعيفة المستوى الإبداعي لكنها، وبفعل تجنيد العامة واستغلال جيوبها الفقيرة لكن الكثيرة، تحقق مداخيل عالية موسمية وغير متأصلة في البنية الاقتصادية المقننة.

هكذا تتخلى الثقافة والفن آنذاك عن دورهما الخَلَّاق، وهو التنوير والتطوير والحوار والتلاقح واستكشاف عوالم المستقبل الواعد للأمة بين الأمم، في تلاقح مع العلم والسياسة.

بين سلطة الثقافة والفنون وثقافة وفنون السلطة

إذا تحدثنا عن ثقافة وفنون السلطة أداة للدعاية وللإعلام وللتواصل الجماهيري في اتجاه واحد، من الأعلى إلى الأسفل ومن القيادة السياسية والإدارية إلى قواعد المثقفين والفنانين بمختلف مستوياتها، وهو اتجاه خدمة المؤسسات الرسمية وآرائها وقراراتها وسياساتها ورموزها، يكون الفعل السياسي العام للبلاد، وإن ظهر الأمر مغايرا لذلك، مبنيا على ثنائية القيم: صحيح وخطأ، صادق وكاذب، قائد وتابع، شيخ ومريد، وبالتالي أبيض وأسود. يشتغل الوطن والحالة هذه بنصف طاقته أو أقل من ذلك، وتلك لعمري خسارة كبرى للدولة وللمجتمع التي هي منه وإليه في جميع الحالات. يشل الشباب والنساء والمثقفون والفنانون العضويون، (ليس بالمعنى الغرامشي)، ويبعدون من أي فضاء إجرائي للتأثير والتحديث والعقلنة والترشيد.

أما إن كنا نتحدث عن سلطة الثقافة والفنون، فإن البلد في هذه الحالة يشتغل بكل قدراته البشرية، رابحا الكثير لطاقة توازن النقاش العمومي، مستغلا القدر الأقصى من المادة الرمادية للأمة، في سياق من تدبير الاختلاف والأخذ بالآراء التركيبية، وتطبيق الأكثر ملاءمةً وحكمةً ورجاحة من الآراء والقدرات والمنهجيات. هكذا تبنى أنجع الاستراتيجيات ووراءها الغالبية العظمى من القوى الحية وطاقاتها الخلاقة، وهو الفرق بين الديمقراطيات متعددة القيم حقيقة، وتلك ثنائية القيم المشلولة نصفيا.

الانتخابات وتحديات الحاضر

مما لا شك فيه، وفي سياق التحديات الكبرى التي يواجهها المغرب اليوم كقوة إقليمية صاعدة تعمل على ترسيخ مكانتها بمنطق رابح-رابح وباستراتيجية العمل الجماعي الاستراتيجي مع الجوار القريب والبعيد، الإقليمي والقاري والعالمي، (في هذا السياق) تعتبر انتخابات سبتمبر 2021 في حد ذاتها حدثا سيشكل نجاحه طاقة إضافية لمسار المملكة المغربية في طريقها الحثيث نحو تنزيل نموذج تنموي، أعتقد شخصيا أن ركائزه الأساسية حاضرة وإجرائية في السياسات العمومية الاستراتيجية للمملكة منذ أكثر من عشرية على الأقل. فانتخابات هذا الشهر الجاري الشاملة والكاملة للمستويات البلدية والجهوية والتشريعية، ستبرهن مرة أخرى على المشروعية القانونية والدستورية والسياسية والثقافية والحضارية التي تحظى بها المملكة، والتي تشكل معضلة لأنظمة سياسية كثيرة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط والشرق الأدنى.

أكيد أن إعادة ترتيب الخريطة الجيو-سياسية والسياسية والاقتصادية الاستراتيجية العالمية أساسا في المناطق المذكورة، لا تأخذ بعين الاعتبار مسألة شرعية ومشروعية النظام السياسي في بلد من البلدان، إلا بقدر أهمية المصالح التي يوفرها هذا النظام للقوى الكبرى في منطق تقاسُمِها لكعكة العالم. عالم يعتبر من الحيوي تهديمه وإعادة بنائه المستمرة والمتجددة في سياق المنطق الليبرالي الجديد والقديم، الذي يقوم أساسا على اللاتكافؤ وعلى الصراعات وفضِّها في سياق الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية الكبرى، وخصوصية ناديه الخاص جدا، الذي لن يتجاوز عتبة “الرضى عنك وأنت نافع”، أما دخوله فيكون “عنوة” وبذكاء استثنائي ووحدة وطنية قوية وبطاقتك الذاتية الضاربة.

أهمية الانتخابات بالنسبة للمملكة

أكد على هذه الأفكار في سياق جيو-استراتيجي وسياسي وتنموي متكامل، الخطاب الملكي السامي العميق والمستوعب لكل مؤشرات المشروع المغربي والتحديات المحيطة به بمناسبة ثورة الملك والشعب.

إن انتخابات الثامن من شتنبر الحالي، وبغض النظر عن كل ما يقال حولها من حيث سياقها ومن حيث قوة الأحزاب السياسية وضعف وتشابه برامجها، وعدم وملاءمتها وضعف عمق ارتباطها بتجربة سياسية حقيقية لممارسة نخبها للسياسات العمومية للدولة من منطلق القرار الاستراتيجي المسؤول، فإنها تظل انتخابات جد مهمة لما تحمله من رسائل لجوار مهزوز الاستقرار والتنمية والأمن، ولقارة مفتوحة على صراعات القوى الدولية وعلى تطاحنات خارج السياق التنموي الاستراتيجي لإفريقيا من طرف بعض دولها. إنها انتخابات المملكة المغربية العازمة القوية والموحدة، مملكة المؤسسات والتعدد والبناء الديمقراطي السائر في طريق تطور حثيث آمن، ربما بطيء لكنه يراكم المُكتسبات ويرنو لنموذَجية تُلائمه وتنصهر في سياق عالمي أصبح فيه الاستقرار والأمن والتوازن الاقتصادي غالي الثمن بشكل غير مسبوق. تستمر المملكة في مسارها هذا على غرار نماذج فرضت نفسها بإجرائيتها وبمردوديتها الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية، ولنا في تركيا والبرازيل وكوريا الجنوبية وإندونيسيا أمثلة متفاوتة المجازفات والنجاحات، على سبيل المثال لا الحصر.

ماذا عن الثقافة والفن كرافعات للتحديث في صلب الاستراتيجيات التنموية الكبرى؟

تجربة أحزاب مع مثقفين وفنانين في ظل الانتخابات

نسجل في البداية ظواهر قديمة جديدة في هذه العلاقات خلال الانتخابات، مع ملاحظات عموما هي كما يلي:

– إعلان بعض الأحزاب عن إنشاء هيئات تابعة لها للثقافة والفنون أو السيطرة على هيئات تنفيذية لهيئات موجودة سلفا.

– تعيين مثقفين وفنانين على رأس هذه الهيئات للتدبير والتسيير والتوجيه العملي والسياسي، ولو بشكل غير مباشر.

– اعتبار فنانين ممن التحقوا بأحزاب معينة أنهم التحقوا للدفاع عن قضاياهم “النقابية”، وليس قضايا الفن في حد ذاته مع ادعاء “بعدهم عن السياسة”.

– ادعاء بعض الأحزاب أنها تفتح أذرعها للفنانين خدمة لهم وللفن وليس لمصلحتها الانتخابية والتنظيمية.

– ترشيح عدد من الفنانين والمثقفين على المستويات البلدية والبرلمانية خاصة بدوافع وأساليب وطرق وتبريرات غاية في الضعف والسطحية والذرائعية والجزئية فردانيا.

– غياب شبه كلي لأي طرح ثقافي أو فني شمولي ومندمج لدى الفنانين ومجموعاتهم المهنية من جهة، كما لدى الأغلبية الساحقة من الأحزاب من جهة ثانية. تنخرط هذه الفئة من الفنانين في الانتخابات في غياب أي وعي بمشروعية (لا أقول الشرعية وإن كانت هي ذاتها محل تساؤل)، تمثيلية الفن الوطني ومكانته الاستراتيجية في السياسات التنموية المندمجة خاصة، وفي الاستراتيجيات السياسية البنيوية عموما.

يبدو من المنطقي إذن، العودة إلى تاريخ العلاقة بين الانتخابات والأحزاب والفنانين.

المثقف والفنان والسياسة في تجارب سابقة

مثقفون وفنانون كثر دخلوا تاريخ السياسة من بابه الواسع، تحملوا مسؤوليات على أعلى المستويات وكانوا إما مع الديكتاتوريات والاستبداد كما هو الأمر مع النازية ومع ديكتاتوريات عربية أمس واليوم، والأمثلة كثيرة أترك للقارئ حرية الاختيار منها، أو أنهم كانوا مع الديمقراطية والحرية والعدالة كما هو الأمر في العالم العربي وأوروبا ومختلف بقاع العالم حتى وهم يتعرضون للقمع والاعتقال والمحاكمات الصورية.

لا نتحدث في هذا السياق عن الفنانين والمثقفين محامي الشيطان كما يقال، حيث لا يرف لهم جفن وهم يدافعون عن الظلم والتضليل والعنصرية والتمييز والعنف والإقصاء، وهم اليوم مع صعود اليمين المتطرف في أوروبا كُثر، وفي العالم العربي المضطرب والمتفككة فيه دول كثيرة يتوالدون.

من المعروف، والذي هو أكثر معقولية ليس في المغرب فحسب بل عبر التجارب الانتخابية والعمل الحزبي عبر العالم، اندماج الكثير من المثقفين في غمار الحياة السياسية ومع أحزاب معينة ودعمهم لها، انطلاقا من أن المثقف ذا فكر ووعي سياسي عميق، قادر على التمييز بين المصلحة الفردية والمصلحة الوطنية، غالبا ما يحمل هم المجتمع والقيم التي يقوم عليها كالحرية والمسؤولية، يستطيع بلورة أفكار وأنساق فكرية في قضايا الثقافة والفن والاقتصاد والسياسة إلخ.

في المغرب

في المغرب كان المثقفون شريحة واكبت النضالات الكبرى منذ مقاومة الاستعمار وأسئلة النهضة تجتاح الحقل الثقافي العربي عامة. وقد بقيت جذوة الانخراط في الشأن السياسي النضالي، مع المؤسسات الرسمية ومقابلها لتحقيق توازن ضروري ومطلوب، حتى بعد الاستقلال. كان الوضع العالمي بفعل الحرب الباردة بين معسكرين، وبفعل قوة الحركات الطلابية وقوة تنظيرات كبار الفلاسفة والمفكرين عبر العالم من المحركات الأساسية لانخراط المثقفين والفنانين في العمل السياسي بالمغرب وخارجه. استمر الانخراط الثقافي والفني في الحقل السياسي في بلادنا إبان النصف الثاني من القرن العشرين وحتى العشرية الأولى من القرن الجاري مع أحزاب مركزية في المشهد السياسي المغربي تباين موقع الفن والثقافة في بنياتها لأسباب لا مجال للتعرض لها هنا. من هذه الأحزاب وفي تحليق سريع:

حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية. أنجبت هذه الأحزاب أطراً مُحنكة كما أنجبت انتهازيين، ربحٌ للبعض وتمكن من شحذ التجربة والتحول إلى رجال دولة حقيقيين، وخَسارة للحزب تنظيميا وسياسيا في ظل تداعيات الوصول إلى السلطة وانعكاساتها على بنية الأحزاب التي تدخل الحكم وتندمج في المؤسسات لأول مرة كما هو معروف عالميا، وخاصة في ظل نظام ديمقراطي لا يسمح لها باختبار الحُكم، (ما يسمى في بريطانيا على سبيل المثال بحكومة الظل)، حيث يستفيد الحزب المعارض من الاطلاع على ملفات الدولة بمختلف أنواعها، وهو ما يجعله أكثر واقعية وبراغماتية في تنظيمه وفي شعاراته وفي وايديولوجيته بشكل يُؤَمِّنه نسبيا من التشظيَّات ومن الانقسامات ومن صراعات المصالح التي يسببها وهج السلطة وإغراءاتها وجاذبيتها.

كان دخول المثقفين والفنانين بدرجة أقل، في المغرب ضمن الأحزاب المذكورة أعلاه، إلى تجربة السلطة ابتداء مما سمي بالتناوب التوافقي، تجربة جد هامة استفادت منها الدولة والمجتمع المغربي، لكن ثمنها كان ثقيلا على هذه الأحزاب تنظيميا. لنقل إن الأمر يتعلق بثمن التحول من كرسي النقد الحماسي السّهل، إلى كرسي الممارسة السياسية المثقلة بالقيود والإكراهات.

حزب العدالة والتنمية: حاول هذا الحزب الذي اكتسح المناسبتين الانتخابيتين السابقتين، بالتالي الحكومة طيلة العشارية السابقة، تبني منظور واضح للثقافة والفن، منسجم مع اختياراته الإيديولوجية، فعرفت فترة حكمه تراجعا نوعيا في الحقل الثقافي والفني بشكل واضح. سعى حزب العدالة والتنمية إلى “تقنين” وتنظيم/التحكم في الصناعات الثقافية والفنية، فكانت إجراءاته كارثية على الإبداع والجودة ونبل الإنتاج الفني والثقافي الحر والنزيه، لفائدة نمو غير مسبوق للتفاهة والكم والوسطية القيمية، سواء في ميدان السينما أو التلفزيون أو صناعات المحتوى إلخ. والحقيقة أن هذا الانحدار صادف أيضا عاملا آخر سرع وعمق من انتشاره كالنار في الهشيم، سيادة الميديوكراسيا عموما وعالميا، وهو ما ساعد على انتشار الرداءة وضعف المستوى الجمالي ركوبا على دمقرطة وسائل الاتصال والحق في الكلمة وتوسع شبكات التواصل الاجتماعي وتمكنها من سلطة تأثير قوية على الرأي العام والذوق العامي خاصة.

مفارقة استقطاب “المرفوض-غير المجدي-غير الضروري” مبدئيا، (الفن والثقافة هنا)، من باب الضرورة. هكذا سيخضع الفن والثقافة في فترة ترؤس حزب العدالة والتنمية للحكومة، والإشراف على قطاع السينما والتلفزيون من خلال وزارة الاتصال، لرقابة أخلاقية غير مسبوقة تمت مأسستها عبر قوانين مازالت سارية في الإنتاج وفي معايير توزيع الدعم وفي الموقف من الثقافة والفن شعبيا وحكوميا، رغم غيابهم اليوم عن قطاعي الثقافة والاتصال. فمن جاء بعدهم على رأس هاذين القطاعين الحيويين، إما لم يبق له ما يكفي من الوقت ليُدخل التغييرات الجذرية التصحيحية لإدماجهما استراتيجيا في السياسات العمومية كما نادينا وما زلنا منذ أكثر من عقدين، أو أنه لم يكن أصلا يملك مشروعا ولا إرادة ولا رؤية ولا برنامجا، همُّه جزئي وتجزيئي وتدبيري بالمعنى الإداري قصير النظر والأفق، كحزب يمثله مسؤول سياسي على القطاع لا يحمل مشروعا.

حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاتحاد الدستوري وحزب الحركة الشعبية: تميز موقف هذه الأحزاب عموما باستقطاب تجميلي أجوف، مقابل الاستقطاب التكنوقراطي الموحى به. فحتى عندما أتيحت الفرصة لهم لشغل قطاع الثقافة ظهر بسرعة عدم امتلاكهم لأي منظور أو برنامج ولا أطر ملائمة.

في هذا السياق نتحدث عن هذه العلاقة المتحولة اليوم بين الثقافة والفن والانتخابات، من خلال ما يبدو انخراطا لفنانين ومثقفين في استحقاقات شتنبر الجاري.

أسس ومعايير وأهداف واهية وصغيرة أم منظور تنموي وبرامج استراتيجية؟

سنكتفي هنا بطرح تساؤلات عن طبيعة الاهتمام بالثقافة والفن من خلال قبول انضمام فنانين ومثقفين إلى العمل السياسي الحزبي بالمغرب في نسخة انتخابات شتنبر التي هي على الأبواب:

هل يتعلق الأمر بانتهازية انتخابية وبالبحث عن شعبية مجزية وعن ربح آني؟

أليس هاجس الأحزاب والحالة هذه انسياق وراء استسهال وجري وراء خدعة النتائج الكمية وركوب الوصولية بأي طريقة ومنها استقطاب السهل والطيِّعِ والمستعد أصلا من قطاع الفن والثقافة في زمن ابتعاد كليهما عن العمق والقيم والجماليات المتأصلة في الوعي والإبداع والفكر الرصين والمسؤولية؟

ما الفرق بين تجنيد الفقراء والعاطلين والمعطلين والمراهقين، بل واستقطاب المُستعدين سلفا من المثقفين والفنانين للاستقطاب بمُقابل أناني ووهم تكريس شهرة لا نسق مجتمعي وصناعي ثقافي حقيقي يمنحها المشروعية، وبين ما يحدث اليوم معتقدا أنه يُوهِمُ بتغيير غير حمَّالٍ لمشروع متكامل ومندمج تم الاستعداد له بنقاشات وملتقيات وأشغال خارج زمن انتخابي محكوم بهاجس الربح الكمي والصراعات المصلحية قصيرة النظر سياسيا؟

ما الفرق بين استقطاب “بوشكارة” والأعيان التقليديين والأغنياء الجدد والمقاولين الناشئين المعزولين عن السياق التاريخي السياسي وبين المثقفين والفنانين الغارقين في هم القوت واليومي المانع لأي رؤية استراتيجية، في غياب تمييز أولي للفرق بين السياسي والنقابي؟

لماذا تأسيس تجمعات مزاحمة للنقابات ولهيئات مهنية أخفقت وتخفق وستخفق في الدفاع عن قضايا الفن والثقافة، لضيق رؤيتها التنظيمية والتدبيرية ولخضوعها لشعبوية الكَم ولسلطة الآني ولهيمنة نخبٍ عقِيمة المنظور والنظرة؟

من المستفيد من ذلك؟ وما الذي يمكن أن تغيره مبادرات تعيد إنتاج القائم في حقل يفتقد لمشروعية اندماجه في صلب الحقل الثقافي الوطني ونضالاته الاستراتيجية المندمجة في قلب قضايا التنمية الوطنية الشاملة؟

القاسم المشترك هو انعدام البرامج البنيوية والاستراتيجيات.

البراغماتية المنتجة والرؤية التنموية الاستراتيجية

نعتقد أن الإجابة على التساؤلات المذكورة أعلاه لن تهم الباحث والمواطن والفاعل السياسي والثقافي، فقد وضعناها أساسا لتحفيز التفكير بتوجيه تنويري، لذلك فهي لن تهم ولن تكون ذات أهمية إلا عند تغيير المنطلق من نظرة التأثيث التحقيرية العقيمة في التعامل مع الثقافة والفن إلى النظرة الاستراتيجية المندمجة.

كذلك، لا بد من الانتقال من البرامج المبتورة للأحزاب، وهي تنقلها للجهاز التنفيذي بعد نجاحها في الانتخابات ودخولها الحكومة، إلى البرامج البنيوية الابتكارية الجريئة، التي من المفروض أن تكون قد صاغتها بعمل دؤوب، وتعامل مع حاملي المشاريع الفكرية والتصورات البنيوية في قطاعي الفن والثقافة.

وأخيرا وليس آخرا، على الأحزاب والمنظرين لبرامجها ولبنياتها التنظيمية ولتطوير نخبها وتجديدها، إن وجدوا، استبدال المنظور الانتهازي للفن والثقافة بالمنظور البراغماتي الاستراتيجي.

شاهد أيضاً

شاعر موريتاني يتأهل لأهم مسابقة ثقافية بقطر

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي( كاترا ) بقطر أسماء المتأهلين للتصفيات النهائية لنيل جائزة شاعر …