
شكل المؤتمر الصحفي لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني محطة إعلامية وسياسية بارزة تميزت بوضوح المداخلة التمهيدية، وشمولية الردود على المحاور الحساسة المتعلقة بالمأمورية و صفقات التراضي و الشفافية و مكافحة الفساد والتنمية، والوضع الأمني الإقليمي،
جاء المؤتمر في توقيت مهم تزامن مع حراك سياسي بارز و إستلام وثيقة خلاصات المرحلة التحضيرية للحوار الوطني ، مما يعزز مناخ الإنفتاح .
وعلي نحو يهدف إلي إنارة الرأي العام و تكريس حق المواطن في المعلومة و كسر جدار الصمت الإعلامي عبر المكاشفة و المصارحة بشأن التحديات و الإنجازات ،
كما تميز المؤتمر بحضور إعلامي واسع لنحو 120 صحفياً وسط إجراءات تنظيمية وأمنية صارمة داخل القصر الرئاسي بانواكشوط.
حظي البث المباشر والمتابعة الوطنية رغم التأخر ليلا بتركيز كبير من طرف المواطنين والمهتمين بالشأن العام لمواكبة شروحات و توضيحات رئيس الجمهورية.حيث قدم الرئيس توطئة مركزة ربطت بين إنجازات ومخلفات المأمورية الأولى والتحديات الناجمة عن الأزمات الدولية المعيقة لسلاسل التموين العالمية كجائحة كوفيد و أزمة و تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية و صولا إلي تداعيات العدوان الآمريكي الإسرائيلي علي جمهورية ايران الإسلامية و تبعات محاصرة مضيق هرمز علي سوق المحروقات عالميا و سلاسل التموين و الإقتصاد ،
كما أكد أن موريتانيا حافظت على أمنها واستقرارها وتماسك لحمتها الاجتماعية رغم قساوة الظروف الدولية و الإقليمية المحيطة بها .
و قد تمحورت الأسئلة و تركزت اساسا خلال المؤتمر الصحفي حول قضايا و ملفات حساسة مثل : –
_ ملف الفساد و تنامي صفقات التراضي و شبهات نفوذ الأقارب و غياب العقوبة : شكل هذا التساؤل المحور الأبرز حيث أكد فخامة الرئيس إستمرار الحرب علي الفساد بلا هدنة و دون إستثناء أو حماية لأحد .
مقدما ارقاما قضائية حول إحالة 10 ملفات تضم 70 شخصا خلال الاشهر العشرة الأخيرة.
مشيرا وبلغة الأرقام إلي تراجع نسب صفقات التراضي التي انخفضت من 27% عام 2019 إلى 4.6% نهاية 2025 من حيث العدد، ومن 34% إلى 13.5% من حيث القيمة المالية.
مدركا تماما بأن لاتنمية و لا عدالة مع وجود آفة الفساد ،
إلا أنه بالمقابل نفي صحة سيطرة الأقارب علي الصفقات داعيا من يملك دليلا بأن يقدمه للجهات المختصة ،
مشيرا إلي تكامل دور الهيئات الرقابية و محاربة الفساد بأنواعه الإداري و المالي و الأخلاقي و السياسي .
خاصة أن المواطن أصبح محميا بقوة القانون في حالات الإبلاغ عن الفساد .
_ قضية المأمورية الرئاسية و الدستور : أكد بخصوص ما تبقي من مأموريته أنه ليس مع أي أمر يخالف الدستور أو لا يحظي بإرادة الشعب دون الإفصاح عن المزيد من التفاصيل بشكل جلي و واضح ،
مركزا علي تنفيذ برنامجه الإنتخابي حتي آخر يوم .
_ محور التنمية و تمكين الشباب : شدد علي أن المواطن هو محور الإستثمارات و التنمية الأول و الغاية من السياسات العمومية .
اما بشأن الشباب فقد اكد الرئيس انه يحظي فعلا بمكانة خاصة ضمن الأولويات الوطنية و في سياق البرنامج الإنتخابي طموحي للوطن ،
قصد المشاركة و الإسهام في بناء الوطن من خلال الولوج إلي المناصب القيادية و إشراك الأطر و الكفاءات الشابة في صنع القرار ،
و إتاحة 3000 فرصة عمل مرة واحدة ما هي إلا دليل قاطع علي إرساء سياسة تمكين ناجعة لصالح الشباب ستشكل أكبر عملية إكتتاب في تاريخ البلاد ،
تعتمد بدرجة أولي علي القدرات الشبابية بهدف تجديد الإدارة وضخ دماء جديدة .
_ قانون الرموز والإثارة : في سياق هذا التساؤل أكد رئيس الجمهورية ان حرية التعبير هي أساس الديمقراطية و انه لا يعارض إلغاء قانون الرموز أو إعادة النظر فيه إذا دعت الضرورة و أقتضت مصلحة البلد ذلك ،
مشددا علي أن هذا القانون لم يسن لحماية أي جهة في السلطة أو رئيس أو حكومة ،
بل لهدف حماية المجتمع و صون ثوابته ليس إلا .
و قد أشار أيضا إلي انه لا يفضل تسميته قانون الرموز ،
و كان يفضل تسميات أخري مثل قانون حماية الأمة أو قانون حماية الجمهورية و مؤسسات الوطن .
مذكرا ان إنتشار الكراهية و البذاءة علي منصات التواصل الاجتماعي و علي نحو غير مسبوق استدعي وجود قوانين للحد من إنحدار الخطاب العام مع التمييز الواضح بين النقد المشروع و الإساءة .
_ الأمن الإقليمي وعوائد الغاز : أبرز في هذا الصدد المقاربة الأمنية الموريتانية القائمة على اليقظة وحماية الحدود، مع اعتبار الوحدة الوطنية والتماسك خطاً أحمرً لا يمكن التساهل فيه.
كما أوصي بضرورة التعامل بحكمة و مسؤولية مع تداعيات الوضع و الحرب و الإنفلات الأمني علي مشارف الحدود و داخل أراضي الجارة الشرقية مالي نظرا للروابط القوية بين الشعبين .
أما عوائد الغاز بحقل آحميم المشترك مع الجارة الجنوبية السينغال، فقد أوضح تفاصيل الحصة الموريتانية وتمويلاتها والشحنات المصدرة، مؤكداً و مستشهدا بكلام المرحوم باي بيخة أن الثروات تحتاج مسار استخراج وتطوير دقيق حتى تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطن.
بالتأكيد كان لقاء فخامة رئيس الجمهورية مع الصحافة الليلة البارحة موفقا و ناجحا بكل المعايير. أسئلة جريئة غطت جل القضايا الوطنية الكبري و غالبية اهتمامات الرأي العام الوطني ،
و كانت الأجوبة حكيمة، سلسلة، مؤصلة، دقيقة،
حيث اتسمت ردود الرئيس بالهدوء والحرص على تقديم لغة أرقام خاصة في ملف الصفقات والفساد، والظهور بمظهر المنفتح على النقد والتقييم الموضوعي المستند إلى النتائج لا الانطباعات و الأحكام المسبقة.
من جهة أخري انتقدت بعض الدوائر الإعلامية كثرة مداخلات الإعلام الرسمي مقارنة بالمستقل، وطبيعة التنظيم، بينما اعتبره آخرون محطة مصارحة سياسية ناجحة قطعت الطريق أمام الكثير من التكهنات والتشويش.
هذا و قد أستغرب بعض الإعلاميين إشراك صحافة المكتب الاعلامي للرئاسة في توجيه الأسئلة،
معتبرين ذلك علي حساب حضور الصحافة المستقلة التي لم يساعدها الحظ للمشاركة في طرح الأسئلة لضيق الوقت رغم عناء التنقل و التحضير ،
حيث ما كان للرئاسة أن تسأل نفسها ،
ام أن ما حصل يأتي في سياق عابدين يسأل عن عابدين كما في المأثور الشعبي .
تأسيسا لما سبق انقسم الشارع الموريتاني بشأن هذا المؤتمر بين مُثنٍ علي لغة الأرقام و الصراحة الحاسمة في التعاطي مع ملفات الحكامة و الشفافية و تقليص صفقات التراضي و بين متطلع لمزيد من التسريع في وتيرة المعالجات الإقتصادية .
و معارضة تري أن التحديات كبيرة و كبيرة جدا و الأزمات المعيشية تواصل البقاء دون حل حقيقي، حيث تشمل هذه التحديات غلاء الأسعار و تراجع القدرة الشرائية، ضعف الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة. وتؤكد أيضا أن معالجة هذه الملفات تتطلب سياسات حكومية أعمق وأسرع لتحسين ظروف الناس وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة.
هنيئا لموريتانيا بهذا النوع من اللقاءات بين القمة والقاعدة ،
و مزيدا من التألق و التوفيق و مواكبة البناء الوطني وتعزيز المؤسسات .

اباي ولد اداعة .
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال