


تأتي مناسبة الذكري 63 لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية التي حل محلها الإتحاد الإفريقي و التي تصادف 25 مايو من كل سنة و ترمز للوحدة و التحرر –
هذه المرة بالتزامن مع أزمة طاقة خانقة و تضخم غير مسبوق تضرب القارة السمراء ،
و ذلك إثر إندلاع حرب ايران و الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز .
الذي تسبب في اكبر صدمة في إمدادات الطاقة خلال تاريخ أسواق النفط العالمية .
مما فرض تحديات إقتصادية هيكلية جسيمة علي دول القارة .
و علي نحو وضع الإتحاد الإفريقي تحت ضغط مضاعف خلال إحتفالاته لهذا الموسم بذكرى تأسيسه في 25 مايو ،
قصد تسريع مشاريع التكامل الإقتصادي القاري و تقليل الإرتهان لسلاسل الإمدادات الخارجية.
تباينت آثار أزمة الطاقة و تداعيات الحرب بين الدول الإفريقية ،
حيث استفادت الدول الإفريقية المصدرة للنفط مثل الجزائر ، نيجيريا ، آنغولا …. من إرتفاع الأسعار.
بينما عانت الدول الإفريقية الأخري غير منتجة من ضغوط تضخمية حادة و إستنزاف إحتياطات العملات الأجنبية،
مما أدي إلي تآكل القدرة الشرائية للمواطن الإفريقي .
لقد أثبتت أزمات الطاقة العالمية المرتبطة بالنزاعات الجيوسياسية أن الإعتماد علي مصادر الطاقة التقليدية مثل( النفط و الغاز ) يجعل الدول عرضة لإبتزاز سياسي و اقتصادي كبير ،
و هو ما قد يفرض علي دول إفريقيا إذا ما أرادت ان تتحرر من قيود التبعية و الهيمنة الخارجية بهدف تحقيق السيادة الكاملة ان تتجه بخطي متسارعة نحو مصادر طاقة بديلة و مستقلة لتعزيز أمنها القومي و استقلاليتها،
هذا التوجه لم يعد مجرد خيار بيئي بل أصبح ضرورة أمنية و إستراتيجية لضمان استمرار الحياة و الاقتصادات بعيدا عن تقلبات الصراعات الدولية و تداعيات الأزمات الجيوسياسية،
خاصة أن ماما إفريقيا تمتلك إمكانات هائلة غير مستغلة في الطاقة الشمسية و طاقة الرياح و الطاقة الكهرومائية و التي يمكن ان تجعلها قوة عظمي في انتاج الطاقة المستدامة .
إن أهداف منظمة الإتحاد الإفريقي متنوعة و واسعة ترتكز بشكل أساسي علي تحقيق الوحدة و التضامن بين الدول الإفريقية.
و تعزيز السلام والأمن و الإستقرار في القارة .
و التعجيل بالتكامل السياسي والإقتصادي و الإجتماعي ،
فضلا عن توطيد النظام الديمقراطي و حماية حقوق الإنسان و الإسراع بالتنمية .
في حين يتم تداول منصب رئيس الإتحاد الإفريقي سنويا بين المناطق الجغرافية الخمسة داخل القارة .
و في سياق إفريقي أعم تأتي هذه الذكري أيضا في ظروف إقتصادية و سياسية خاصة و تحديات أمنية و مناخية تشهدها القارة علي نحو غير مسبوق وفي وقت عاني فيه العالم من تداعيات تراجع معدلات النمو الإقتصادي صاحبها إرتفاع في التضخم أثر بدوره علي القارة الإفريقية .
حيث لا شك ان معظم الأزمات التي تعاني منها افريقيا اليوم ترتبط بميراث الفترة الإستعمارية
وغياب القيادة الصالحة بالإضافة الي سوء إدارة الدولة وتراكم الفساد وهشاشة المنظومة الصحية و فشل نظام التعليم وارتفاع المديونية والصراع الطائفي و العرقي….الخ
مما ساهم في عدم تحقيق غايات التنمية المنشودة .
إن السياسات الخاطئة والظالمة للمجتمع الدولي و الحكومات الغربية اتجاه حكومات وشعوب القارة الإفريقية المبنية علي منطق دول مانحة وأخري مستفيدة في ظل صراع مصالح محتدم بين القوي الإقتصادية العالمية في القارة ،هي التي زادت من تفاقم و تفشي الفساد وتردي الأوضاع.
وفتح الباب امام الإهتمام المتزايد بالقارة الإفريقية لكل من الصين وروسيا و تركيا و ايران وعودة النفوذ الجيوسياسي العالمي .
تعتبر إفريقيا اليوم محط طموحات يمكن ان تختار شركائها بنفسها طبقا لما يلائم مصالحها و توجهاتها في ظل مجموعة من المتغيرات يجب ان تشكل قطيعة تامة مع ممارسات الماضي الخاطئة وسياساته المؤلمة.
فحكومات وشعوب القارة اليوم ينبغي أن تتطلع أكثر من أي وقت مضي إلي شراكة واسعة مع مختلف القوي الإقتصادية العالمية قائمة علي الثقة المتبادلة و الفهم الواضح للمصالح المشتركة عبر رؤي واستراتيجية شاملة للإستثمار تؤسس لعلاقة اقتصادية قوية واستقرار دائم من خلال المحاور والآليات التالية : ‐
1 – سعي القوي الإقتصادية العالمية الجاد الي دعم وايجاد الحلول الناجعة للنزاعات و الحروب الأهلية الإفريقية كخطوة أولي نحو الإستقرار.
2 ‐ العمل علي صناعة وإشاعة ثقافة السلام و التسامح في إفريقيا.
3 – ضرورة تمسك دول القوي الإقتصادية العالمية بإحترام المبادئ الديمقراطية والحكم الرشيد و دولة القانون و حماية حقوق الإنسان و الابتعاد عن سياسة الكيل بمكيالين .
4 – إلغاء المديونية و إطلاق حزمة استثمارات دولية إفريقية طموحة تعمل علي تحسين وتقوية إقتصاد بلدان القارة .
5 – توجيه الدعم ليلامس عمق المجتمع من خلال الدعم المباشر لتنمية محلية لها القابلية و القدرة علي خلق فرص عمل داخل الأوساط الهشة و امتصاص اكبر كم من البطالة كعامل استقرار سيحد من عمليات الهجرة غير شرعية وعدم تقوية و دعم الجريمة المنظمة بالعنصر البشري .
6 – عدم قبول منطقة الإتحاد الأوروبي ومناطق العالم ملاذا آمنا للتهرب الضريبي وغسيل الأموال وتهريب أموال الشعوب الإفريقية المنهوبة و المسروقة بإعتبار ان القوي الإقتصادية العالمية شريك و فاعل اقتصادي داخل القارة السمراء .
7 – التخلي تماما عن استباحة الأراضي الإفريقية بحجة الحرب علي الإرهاب والتطرف عبر انتشار قوات أمن خاصة و كبيرة ،
فحكومات المنطقة لها سياساتها الأمنية و آلياتها الرادعة في هذا المجال فأهل مكة أدري بشعابها.
8 – يجب ان يقتصر العمل في هذا الشأن علي تقديم الدعم اللوجستي المباشر والتكوين العسكري المستمر لأبناء القارة وتبادل المعلومات الإستخباراتية سبيلا في كسب الخبرة وضبط الأمور.
إن القارة الإفريقية اليوم تجد نفسها أمام تحاديات كبري جسام : –
أولها تداعيات الخروج من تبعات جائحة كورونا المتحورة و التي شلت إقتصاد العالم كما شلت حركته .
بالإضافة إلي ما يشهده العالم من أزمات متكررة متباينة نتيجة تأثيرات حروب و نزاعات تدفع إفريقيا ثمنها بدرجة أولي و إن كانت لا ناقة لها فيها ولا جمل كالحرب الروسية الأوكرانية المستمرة و الحرب الآمريكية الإسرائيلية علي ايران و انعكاس الحربين علي أسواق المحروقات و الحبوب .
و هو ما تسبب في التراجع الكبير و النقص الملاحظ علي مستوي حجم الدعم الدولي و التمويلات و تجفيف منابعها و مصادرها مما كان له الأثر الضار المباشر علي الإقتصاد الإفريقي المشلول والمعدوم في الأصل.
إن الأوضاع المتسارعة و المتأزمة في ظل ما يشهده السودان الشقيق اليوم من صدام و حرب مستمرة وصراع قائم بين الجيش الوطني و مابات يعرف بقوات الدعم السريع مدفوعا بهوس حب التملك و الرغبة في الإستحواذ علي السلطة من جانب واحد ، تغذيه جهات خارجية يعكس صورة فوتواغرافية لمستوي و هشاشة الوضع الأمني داخل دول القارة.
واقع ألقي بظلاله علي إستقرار و أمن السودان حيث تسبب هذا الإقتتال في سقوط عشرات الآلاف من القتلي و الجرحى و تهجير و تشريد آلاف العائلات مما ضاعف من خطورة الوضع في ظل عجز بعض المنشآت الصحية عن العمل و عدم قدرة الجاهز منها علي إستيعاب المزيد من الجرحي و المصابين و المرضي .
مع تصاعد مستوي الإنفلات الأمني و فشل عدة محاولات لتحقيق الهدنة و عجز الملتزمين و الموقعين علي اتفاق جدة أنذاك لإحتواء الأزمة من خلال وقف إطلاق نار شامل و فتح ممرات إنسانية .
إن إستمرار الأزمة يقع علي كاهل طرفي النزاع و الجهات الخارجية الداعمة لكل طرف .
لذا ينبغي علي هؤلاء الأطراف جميعا تغليب المصلحة العامة علي الخاصة حرصا علي أمن وإستقرار السودان قبل أن يتحول إلي دولة فاشلة لا قدر الله.
بالإضافة إلي ضرورة تحرك المجتمع الدولي بالتنسيق مع الإتحاد الإفريقي ضمن مساعيه الحثيثة لوقف إطلاق النار و الدخول في مفاوضات جادة لدعم وتعزيز مساعي السلام و المحبة بين أبناء الشعب الواحد.
في المقابل عانت منطقة الساحل و الغرب الإفريقي هي الأخري منذ فترة من إضطرابات أمنية متلاحقة و عدم إستقرار سياسي خطير .
سمح بظهور و توغل التنظيمات الإرهابية و الجماعات المسلحة داخل المنطقة ،
واقع شكل بئة خصبة و مناسبة للإطاحة بالأنظمة الديمقراطية المنتخبة و خاصة الموالية لفرنسا .
في ظل انتشار عدوي الإنقلابات داخل منطقة غرب إفريقيا و صعود نخبة عسكرية من الشباب معادية للغرب كان لها دور بارز في تشكيل تحالفات جديدة عقب موجة الإنقلابات التي شهدتها بعض دول المنطقة ، سرعان ما حظت بإجماع عسكري و علي تأييد شعبي واسع ، رغم إختلاف طبيعتها من إنقلاب نخبة عسكرية علي رئيس منتخب إلي إنقلاب نخبة عسكرية علي نفسها.
أزداد الوضع سوءا مع انتشار
المشاعر المعادية و الإحتجاجات الشعبية العنيفة ضد وجود فرنسا علي أرض إفريقيا ، و إتساع دائرة الإنتفاضة في وجهها علي المستوين الرسمي و الشعبي إقليميا .
إذ يلاحظ جليا أن أغلب الدول الناطقة بالفرنسية و المستعمرة سابقا تصنف اليوم من أكثر دول القارة الإفريقية فقرا و أقلها إستقرارا ، حيث مازال أكثرها يخضع لأنظمة سلطوية أو تعاقبت فيه إنقلابات عسكرية .
مقارنة بالدول الناطقة بالإنجليزية الأكثر إستقرارا و الأنجع إقتصادا .
وضع انعكس علي العلاقات جيوسياسية بالمزيد من التوتر في المواقف البينية من دول المنطقة اتجاه فرنسا لتبنيها سياسات و إستراتيجيات خاطئة ضد حكومات و شعوب مناطق نفوذها التاريخية مما أفقدها دورها الريادي و قلص من نفوذها لصالح قوي إقتصادية و عسكرية صاعدة كروسيا و الصين و تركيا و ايران …الخ ,
تأسيسا لما سبق نجد أن الأنظمة الإفريقية لها قاسم واحد مشترك يتمثل في غياب الحكامة الرشيدة و تعثر الديمقراطية و عدم تحقيقها للتوقعات و النجاحات التي انتظرتها شعوب المنطقة .
إضافة إلي إفتقارها لأسباب عوامل الرعاية و التعزيز و هشاشة الإقتصاد و تفشي الفساد و انتشار البطالة و هجرة الشباب …
حيث تتركز الثروات في يد فئات قليلة معينة دون غيرها سواء داخل النظام أو تلك التي تدور في فلكه .
نافذة و متحكمة في مفاصل الدولة ،
بالإضافة إلي التحديات الأمنية و النزاعات الداخلية و الخارجية التي تضعف بنية الأنظمة و تستنزف الموارد الشحيحة في الأصل
مع عدم إحترام المواثيق الديمقراطية و الدساتير و لجوء كثير من الرؤساء الأفارقة المدنيين لتمديد فترات حكمهم أو تحايل بعضهم عبر تزوير نتائج الإنتخابات .
مما يغري العسكريين و يمنحهم مشروعية الإنقلابات .
إذ لاشك أن الإنقلاب آلية غير دستورية للإستيلاء علي السلطة .
إلا أنها تبقي الوسيلة الوحيدة المتاحة أحيانا للتغيير داخل إفريقيا .
بالمقابل يجمع كل المحللين للشأن السياسي الإفريقي أن القناعة الراسخة و الوعي السياسي الحاصل و الرافض دستوريا لمأمورية رئاسية ثالثة علي مستوي بعض دول القارة و المحصن ديمقراطيا من عبث الخلود في السلطة هو مؤشر جيد لمستوي النضج نحو إشاعة ثقافة التناوب الديمقراطي السلمي و إحترام المضامين الدستورية.
حيث تعد كل من موريتانيا و السينغال نموذجا يُحتذٓي به داخل القارة في مجال الوعي السياسي المناهض لتمديد الفترات الرئاسية ،
كما اثبتت التجربة السياسية بالبلدين حتي الآن صمود هذا المبدأ الذي ترفض المعارضة و القوي الوطنية أي مساس به ، خاصة مع بروز و نجاح تجربة التناوب السلمي .
رغم كل ما يبدو من تحديات و عوائق فإن الأمل يبقي قائما من أجل مستقبل واعد لإفريقيا و غد أفضل و حياة كريمة لأبناء القارة في ضوء عوائد انتاج نفط و غاز مرتقبة و احتياطات كبيرة من الطاقة الأحفورية و استغلال مشاريعها في مجال الطاقة المتجددة الآخذة في التوسع مما سيعزز مسار التنمية الإقتصادية و يوفر مصادر العيش للملايين و يحد من هجرة الشباب و أصحاب الكفاءات .
بالإضافة إلي انعكاساته الإيجابية علي قطاعات الصحة و التعليم و ضخ المياه و تحليتها و إنتاج الكهرباء و الأغذية الزراعية و غيرها .
بالمختصر المفيد ما تحتاجه إفريقيا اليوم أكثر من أي وقت مضي هو ديمقراطية حقة و حكامة رشيدة تؤسس لمرحلة جديدة من بناء الأوطان و التعايش السلمي و القطيعة التامة مع الفساد و تحدث نقلة نوعية لمسيرة التنمية داخل القارة .
حفظ الله إفريقيا من كل سوء و فتن
اباي ولد اداعة .
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال