Zwei Fotos im Frame
Foto 1 Foto 2

زيارة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا : قراءة تحليلية في الدلالات الاقتصادية والتحولات الهيكلية

لا يمكن النظر لزيارة الدولة التي قام بها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى فرنسا من زاوية بروتوكولية أو إعلامية فقط، بل يتعين إدراجها ضمن ديناميكية أوسع لإعادة تموقع موريتانيا داخل النظام الاقتصادي الدولي، في سياق يتسم بإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، وتسارع الانتقال الطاقوي، واحتدام المنافسة على جذب الاستثمارات.

من هذا المنظور، تكتسب الزيارة أهميتها باعتبارها أداة للتموقع الاستراتيجي (positionnement stratégique)، حيث تسعى موريتانيا إلى الانتقال من اقتصاد طرفي يعتمد على تصدير المواد الأولية، إلى اقتصاد قادر على الاندماج التدريجي في حلقات ذات قيمة مضافة أعلى ولا يتعلق الأمر
هنا فقط بجذب الاستثمار في حد ذاته، بل بنوعيته، وبقدرته على إحداث تحولات هيكلية في بنية الاقتصاد الوطني.

في هذا السياق، شكل المنتدى الاقتصادي الموريتاني-الفرنسي، الذي افتتحه فخامة رئيس الجمهورية، منصة لإعادة تعريف العرض الاستثماري لموريتانيا من خلال تقديم نظرة اقتصادية جديدة ترتكز على الاستقرار المؤسسي، وتحسين مناخ الأعمال، والانفتاح على الشراكات.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم الاهتمام الذي يثيره هذا العرض، بل في قدرة السياسات العمومية على تحويله إلى تدفقات استثمارية فعلية ومستدامة، وهو ما تسهله جملة الاجراءات الإصلاحية التي تنفذها الحكومة الموريتانية كتعزيز الإطار المؤسسي، وتبسيط الإجراءات، وضمان قابلية التنبؤ (prévisibilité) بالنسبة للمستثمرين.

من جهة أخرى، يندرج التركيز على قطاعات مثل الطاقة، وخاصة الهيدروجين الأخضر، ضمن منطق استباقي يتماشى مع التحولات الكبرى للاقتصاد العالمي. فموريتانيا تمتلك ميزة نسبية محتملة في هذا المجال، لكنها تظل ميزة كامنة تتطلب استثمارات ضخمة، ونقل تكنولوجيا، وبنية تحتية ملائمة حتى تتحول إلى ميزة تنافسية فعلية . وهنا تتجلى أهمية الشراكات مع فاعلين دوليين، من بينهم فرنسا، ليس فقط كممولين، بل كشركاء في نقل المعرفة وبناء القدرات.

أما لقاء فخامة رئيس الجمهورية بالجالية الموريتانية في فرنسا، فيحمل بعداً اقتصادياً غالباً ما يتم التقليل من أهميته في التحليل التقليدي، إذ تمثل الجاليات رافعة أساسية ضمن ما يُعرف باقتصاديات الشتات (économie de la diaspora). فإلى جانب التحويلات المالية، التي تشكل مورداً مهماً للعملة الصعبة، تلعب الجاليات دوراً محورياً في نقل المعرفة، وربط شبكات الأعمال، وتسهيل الولوج إلى الأسواق الخارجية. ومن هذا المنطلق، فإن إدماج الجالية في الاستراتيجية الاقتصادية الوطنية لا ينبغي أن يظل في حدود الخطاب، بل يتطلب سياسات عمومية مهيكلة، تشمل حوافز استثمارية موجهة، وآليات مؤسسية لتعبئة الكفاءات.

على مستوى أعمق، تعكس هذه الزيارة توجهاً نحو إعادة صياغة نموذج التنمية، من خلال محاولة الانتقال من منطق النمو القائم على الاستخراج إلى نموذج أكثر تنوعاً واستدامة، غير أن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بمدى القدرة على تحقيق ثلاثة شروط أساسية: أولاً، تحسين جودة المؤسسات وتعزيز الحوكمة؛ ثانياً، الاستثمار في رأس المال البشري لضمان ملاءمة المهارات مع حاجيات الاقتصاد الجديد؛ وثالثاً، تطوير منظومة إنتاجية قادرة على خلق روابط أمامية وخلفية (liaisons en amont et en aval) مع الاستثمارات الأجنبية.

وفي هذا الإطار، يبعث مسار هذه الزيارة وما رافقها من تحضير محكم ورسائل واضحة، على قدر كبير من الثقة في قدرة فخامة رئيس الجمهورية والحكومة على الاستغلال الأمثل لمخرجاتها، من خلال تحويل التفاهمات إلى برامج عمل، والالتزامات إلى مشاريع، والفرص إلى نتائج ملموسة.

فالتخطيط المسبق، وتحديد الأولويات، والانفتاح المدروس على الشراكات، كلها مؤشرات على إرادة حقيقية لبناء نموذج تنموي أكثر صلابة واندماجاً بما يضمن تحقيق قيمة مضافة وطنية، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وترسيخ أسس تنمية مستدامة تعود بالنفع على المواطن.

عبد الدائم سيد محمد نافع
دكتور في العلوم الاقتصادية – أستاذ الاقتصاد العام بجامعة نواكشوط
@à la une