
؛
طالعت كغيري بيان الجيش المالي الذي أعلن فيه عودة اثنين من جنوده كانا أسيرين لدى إحدى الجماعات الإرهابية، زاعما أنهما هربا من مُحتجَزِهما في مخيم امبرة للاجئين الماليين على الأراضي الموريتانية، وهي دعوى تثير من السخرية أكثر مما تثير من الغرابة والحيرة، ناهيك عن كونها دعوى كاذبة خاطئة تشكل إساءة بالغة وتصرفا غير لائق لا يمكن التسامح معه، كما وصفها بيان الخارجية الموريتانية.
وأمام زعم كهذا يقف العارف بشؤون المنطقة والوضع في مالي خصوصا، مذهولا مشدوها يتساءل، كيف دفع الغباء الطغمة الحاكمة في باماكو وضواحيها، إلى البحث في مخيلتها عن مأوى لاحتجاز الرهائن ـ وكثير ما هي مثاوي الجماعات المسلحة على أراضيها التي باتت طولا وعرضا ملجأ تأوي إليه أفئدة الخاطفين برهائنهم وأسراهم ـ فلم تجد غير الأراضي الموريتانية افتراء وإفكا مبينا .
ألا يتذكر هؤلاء أن أماكن احتجاز الرهائن والأسرى كانت وما زالت تنتشر في أرجاء مالي، حتى في أيام لم تكن بها حرب ولم يكن بها تمرد، فكيف بها اليوم وقد فقد جيشها السيطرة على جل أراضيها واستعصم حكامها ببقية سلطة مهلهلة في باماكو وضواحيها، ألا يتذكرون تاريخ الاختطاف والاحتجاز هناك منذ أول وأكبر عملية اختطاف عرفتها المنطقة سنة 2003 حين اقتاد “عبد الرزاق البارا” القيادي في الجماعة السلفية للدعوة والقتال، عشرات الرهائن الأوربيين عام 2003، فلم يجد متسعا لإيوائهم والتحرك بهم بحرية إلا في عمق الأراضي المالية.. ألا يتذكرون أنه منذ ذلك التاريخ وحتى يوم الناس هذا، ظلت مساحات شاسعة من أراضي مالي متسعا لإيواء وإخفاء الرهائن والمختطفين والخاطفين، من أقصى جبال تغرغارت في شمال كِيدال، وأجلهوك، وتسالِيت، وتيمدغين، وتنزواتين، وبوقسة، وإبيبيرة، ووادي انميدر، ووادي اميتيتاي، وتكالوت، وتمترين، وتيواوين، وحتى غابة وقادو، وحسيان أولاد غنام، والعرش، وأروان، وتاودني، وإنفارق، وحاسي سيدي، وازباره، وبوجبيه، ونبكة العلك، وغيرها من أماكن ظلت مسرحا لتمركز تلك الجماعات المسلحة واحتجاز الرهائن والأسرى فيها، بل وأكثر من ذلك كانت معظم هذه الأراضي ومازالت معقلا للجماعات المسلحة من القاعدة وداعش والجبهات الأزوادية، كما ظلت مستباحة من عصابات المخدرات والجريمة المنظمة، ومصدر قلقل دائم وأذية آثمة لجيرانها وجيران جيرانها.
وكانت موريتانيا من أكبر المتضررين من الوضع في مالي، لكنها اختارت انتهاج سياسة الصبر على أذى الجار وتعزيز الارتباط وتقوية العلاقات، حيث كانت جميع الهجمات وأعمال العنف والقتل التي نفذت في موريتانيا على مدى ستة أعوام ونيف، منذ الرابع من يونيو عام 2005 (هجوم لمغيطي) وحتى العشرين من دجمبر 2011 (هجوم عدل بكرو)، كانت كلها تنطلق من الأراضي المالية، والرهائن الذين اختطفوا من موريتانيا (ثلاثة إسبان، وإيطالي وزوجته أواخر عام 2009) جاء خاطفوهم من مالي، ونقلوهم على جناح السرعة إليها حيث احتجزوهم هناك.
فما الذي استجد اليوم لتزعم سلطات باماكو وضواحيها أن الجماعات المسلحة تحتجز رهائنها على الأراضي الموريتانية التي لم تسيطر تلك الجماعات يوما على شبر منها ولم تقم معسكرا صغيرا أو كبيرا داخل حدودها، بل ظلت تتسلل إليها قادمة من معسكراتها الفسيحة والمريحة في مالي، لتنفذ هجماتها ثم تعود أدراجها .
نعم هناك مستجد اليوم لا مندوحة من الحديث عنه، وهو تطور الوضع على الميدان في مالي من السيئ نحو الأسوأ، وتضييق الجماعات المسلحة الخناق على السلطات المالية، وحمل مئات المواطنين الماليين السلاح ضد دولتهم بتهمة ظلمهم والتنكيل بهم، بعد أن ظلت حكوماتها ردحا من الزمن تتذرع بأن بعض الأجانب المسلحين غلبوها على أرضها، واتسعت اليوم مساحات سيطرة تلك الجماعات في عمق الأراض المالية لدرجة باتت تتحكم في إمدادات العاصمة باماكو بالوقود والمؤونة، وتنتشر كتائبها في جنوب نهر النيجر وعلى ضفافه وفي أحراشه ووديانه، وغابات وأدغال موبتي، وكوليكورو، وسيكو، وخاي، وغاوا، وكايس، ودونتزا، وبوني، وهومبري، وغابة سوموني، وغابة سيرما، وباندياغارا، ناهيك عن نفوذها وسيطرتها على مثلث غورما في وسط شرق البلاد، وانتشارها في ولايات تمبكتو وتوادني ومنيكا وغاوا، ذات المساحات الجغرافية الشاسعة والتضاريس الوعرة، وبالتالي فقد اتسعت مساحة وأماكن احتجاز الأسرى والمختطفين والرهائن لديها داخل الأراضي المالية، وتعلم سلطة الأمر الواقع في باماكو وضواحيها، علم اليقين، أن عشرات من جنودها محتجزون أسرى هناك، كما احتجز زملاء لهم من قبل، ورهائن آخرون، في تلك المعاقل التقليدية للجماعات المسلحة التي ذكرنا آنفا، وفي المناطق التي سيطرت عليها مؤخرا، بعيدا عن الحدود الموريتانية، وفي مأمن ألفه المسلحون وألفهم، منذ أن أفقدوا الدولة المالية سيطرتها على تلك البقاع من أراضيها.
ألم يجد حكام باماكو وضواحيها في معسكرات الجماعات المسلحة على الأراضي المالية بقعة يزعمون احتجاز جنودهم فيها، غير مخيم على الأراضي الموريتانية أقيم لاستضافة هاربين طردهم عنف حكومة مالي ومرتزقتها، وعنف الجماعات المسلحة المالية، من أراضيهم، وهو مخيم تنتشر فيه قوى الأمن والمنظمات الدولية وموظفوها، ويعج بعشرات آلاف اللاجئين من مشارب مختلفة وعرقيات شتى.
فهل ضاقت سلطة باماكو وضواحيها ذرعا بحسن الجوار الموريتاني، وبالصبر على استفزازاتها المتكررة، ألم يتذكر هؤلاء وهم يُحبرون بياناتهم الشوهاء أن موريتانيا تحملت وصبرت العنف الأعمى القادم من أراضيهم، كما تحملت وصبرت عمليات القتل والتنكيل التي نفذها جنود ماليون ضد مواطنين موريتانيين أبرياء جاؤوا دعاة إلى الله (مذبحة الدعاة الموريتانيين في جبالي سنة 2012)، أو رعيا لأنعامهم وسعيا في تجارتهم (مذبحة مارس 2022) .
ألم تتذكر الطغمة الحاكمة في باماكو وضواحيها أن موريتانيا هي التي رفضت حصار الأشقاء في مالي غداة الانقلاب العسكري الذي نفذوه سنة 2022 ، رغم إصرار دول المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والمنظومة الدولية من ورائها، على فرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية على مالي.
وهل نسي حكام باماكو وضواحيها أن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وقف على الحدود الموريتانية المالية في شهر نوفمبر الماضي، ليبرق رسائل تطمين للماليين خلف الحدود، حين خطب في باسكنو وعدل بكرو قائلا إن علاقات الجغرافيا والتاريخ التي تربطنا بمالي هي قدرنا وقدرهم الذي لا مفر منه، ودعا المواطنين الموريتانيين الى تفهم الأوضاع الصعبة التي تعيشها مالي، واستقبال لاجئهم وتقاسم المطعم والمسكن معهم، مطمئنا ضحايا تلك الحروب ودوامة القتل والقتال أن موريتانيا تمد لهم يد الحنان وترحب بمن لجأ منهم إلى أراضيها طلبا للأمن والأمان، دون أن تتدخل في شأنهم الداخلي وصراعاتهم البينية.
وخلاصة القول أن مالي ظلت تصدر العنف لبلادنا، وظل صدرنا الرحب يتسع لإساءات حكامهم وجنودهم ومرتزقتهم، وكلما أوغلنا في الصبر والأناة، أوغلوا في الاستفزاز، ثم جاؤوا اليوم بيانا فَرِيا، زاعمين أن مخيم اللاجئين الماليين في بلادنا بات مأوى لاحتجاز أسراهم لدى الجماعات المسلحة في بلادهم، لكن الحق أحق أن يتبع، فحكام باماكو وضواحيها يعرفون أن جنودهم الأسرى محتجزون هناك في عمق الأراضي المالية، ويعرفون أن لا قبل لهم بتحريرهم وفك أسرهم، أما تصدير الأزمات الداخلية إلى ما وراء الحدود فليس إلا فشلا وخيم العواقب، فادح المآل.
المرابع ميديا – al-maraabimedias موقع "المرابع ميديا" التابع لوكالة المرابع ميديا للإعلام والإتصال