21 نوفمبر 2017 , 19:09
أخبار عاجلة

تعنيف بوريطة ينسف الدبلوماسية ويفضح بشاعة الدكتاتورية‎

عنـدما أعـلـن الـسيد دي كويلار، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، وقـف إطـلاق النار وبدء خطة التسوية (المصادق عليها في مجلس الأمن بقرار رقم 621 سنة 1988)، في ملف الصحراء المغربية، في 6 شتنبر 1991 على الساعة 6 صباحا، كانت لـدى محور الخصوم “خُـطـة بـديـلـة”، لـكـن بعناوين مختلفة، مثل التشويش والتضليل والتمويـه وتشويه الحقائق ولعب دور الضحية؛ كل هــذا بالاعتماد على كتيبة مـن الإعلاميين والأقلام والمنظمات التي لا تتنفس إلا من عائدات الغاز والبترول.

وما شاهدناه من صور في الأيام الأخيرة يظهر فيها تعنيف السيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، مع الوفد الدبلوماسي المرافق له، ومنعهم بالقوة من المشاركة في اجتماع رسمي، يضرب في العمق كـل الأعراف الدبلوماسية الـدوليـة، ويُـمثل من جهة أخــرى الوجه البشع لأنظمة سياسيـة ترعرعت وهرمت بـأدبيات القمع والمنع والديكتاتورية.

عنـدما نـوه الخطاب الملكي لـ20 غشت 2017 بـالدبلوماسية المغربية وسعيها إلى الـدفـاع عن المصالح العليا لبلاد، فإنـه لـم يـكـن “كـلام مجاملات” أو للاستهلاك الـمناسباتي، بل كان عنوانا لمعركة في الكواليس تقودها الدبلوماسية الملكية منـذ أن أعلنت رغبتها في استعادة وضعها الطبيعي بالمنظمة الإفريقية.

ولأن المغاربـة ليست لهـم “ذاكــرة السمكة”، فكلنا يتذكر المضايقات العلنية والخفية التي قادها محـور الجزائر وجنوب إفريقيا وزيمبابوي والموزمبيق من أجل عرقلة عــودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي، وهي عـودة تـوجـها حضور جلالة الملك محمد السادس وهو يخطب في أديس أبابا في يناير 2017، وهو الانتصار الذي قسم ظهر الخصوم وتبخرت معه آمالهم وانقلب عليهم سحر أموالهم التي تحتاجها شعوبهم الفقيرة أولا، الراغبة في استثمار هذه الأموال في بــرامج التنمية الاجتماعية وليس صرفها لعرقلة عــودة الـمغرب إلى البيت الأفريقي أو حـل ملـف صحرائه.

إن الدبلوماسية المغربية تعـرف أكثـر من غيـرها، بعـد غيـاب دام حوالي ثـلاثـة عقـود عـن الـمنظمة الإفـريقيـة، أن مسألة عودتها إلى مكتبها وأجهزتها التنظيميـة لـن تكـون مفروشة بالـورود، فهناك تطبخ كـل الـقرارات التضليلية لملف الصحراء المغربية.

مـن هـنا يُـمكننـا القـول إن مضمـون خطاب 20 غشت الأخيـر فـيه مـن التنبيه والحيطة والإشعار أكـثر من الإخْبــار أو الوصف، وهـو مـا لمسناه بالفعل بعـد أيـام قليلة على الخطاب، إذ جاءت من عاصمة الموزمبيق صور التعنيف واستعمال الأيادي لمنع الوفــد الدبلوماسي من المشاركة في اجتماع خاص بـالتنمية الاجتماعية.

من جهة أخرى تكمن قـوة الخطاب أيضا في حديثه عن عـرقلـة من نــوع ثـان، وهي عرقلة انضمام المغرب إلى التكتلات الاقتصادية الإفريقية، بعد أن فقد الأمل تقريبا في اتحاد المغرب العربي. كما ورد في خطاب ملكي سابـق، وبالتالي كان البديل هو الاتجاه جنوبا والانضمام إلى الإيكواس أو “سيـديـاو” (المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا) الذي يضم 15 دولــة وساكنة تقدر بـ320 مليون نسمـة، ما يعني ســوقا كبيـرا لحركية السلع ورؤوس الأموال، وكـذا لرفـع الحواجز الجمركية وتحرير التبادل التجاري؛ مـا يجعـل مـن مسألـة الانضمام إلى هــذا التكتل الاقتصادي الإفريقي بـالفعل قيمـة مضافة إلى الاقتصاد الوطني.

وهـنا مـن الـطبيعي جـدا أن نتوقع منافسة وعراقيل وتكتيكات سـابقـة وأخـرى لاحقة، وهو مـا نـبـه إليـه خطاب 20 غشت الأخيــر، على اعتبار أن الاقتصاد أصبح بـوابة كبيـرة ومفتاحا للعديد من القضايا السياسية العالقة. الأمر الذي يعـرفه الخصوم جيـدا، لذلك رموا ورقـة الـبوليساريو أمـام مقـر اجتماع مـؤتمـر طوكيو الـدولي حـول تنمية أفـريقيا المعـروف بـ”تيكاد”، والتي تسعى من خلاله اليابـان إلى الـدخول إلى الـسوق الأفريقية ومنافسة الـقـوى الكلاسيكية بـإفريقيا، كـفرنسـا والبرتغال وبريطانيا وغيرهـا مـنذ سنـة 1993، باعتبار أفـريقيا خزانا للطاقة (% 10 من الاحتياطي العالمي) والموارد الطبيعية، كالحديد والفوسفاط والأخشاب، وكذا القطن والغـاز (%8 من الاحتياطي العالمي) و% 80 من بلاتين العالـم، و%40 من ألماس العالـم….دون أن ننسى أن أفـريقيا سوق استهلاكية بأكثر من 700 مليون نسمة من جهة ثـانيـة.

لا يُـمكننا حصر قـراءة مشهـد تعنيف الـسيد بـوريطة رفقـة الوفـد الدبلوماسي في مسألة التعنيف في حد ذاتها؛ على أن هذا السلوك مرفوض في كـل الأعراف الدبلوماسية ويمس بالشعور الـوطني، لكن أيضا يجب الانتباه إلى أمر آخر في غاية الأهمية، وهو فرض الأمر الواقع؛ أي فـرض كيـان البوليساريو على مناسبات دولية مثل مـؤتمـر”تيكـاد”، رغـم أن اليـابان لا تعترف بالبوليساريو باعتباره كيانا مخالفا للشرعية الـدوليـة.

وعلى الرغم من حرصنا على تجنب استعمال كلمة “المؤامرة”، فإننا نجدها قـائمة بعاصمة الـموزمبيق خلال لقاء يوم 23 غشت المخصص للسفراء و24 الـمخصص لوزراء الخارجية؛ لأنه من المستبعد أن يكــون تعنيف الوفـد المغربي تصرفا منفردا أو انزلاقـا استثنائيا؛ على اعتبار أن اليابــان ومن خلال برنامجها الإنمائي والاجتماعي، تُعد دولة مانحة وتُخصص ميزانيـة بالمليارات، سواء كـمساعدات أو هبات أو استثمارات خارجية. لذلك فمسألة المؤامرة لا يمكن تجاوزها، خاصة أن دولــة الموزمبيق الفقيرة ونظامها السياسي الديكتاتوري لا يُـمكنها المجازفة بكل هذه الامتيازات من أجـل ســواد عـيون البوليساريو، إلا إذا كـانت هنـاك تطمينات مـن دول “محــور الخصوم” لتعويضها عن كـل هـذه الخسارات السياسية والاقتصادية…ويكفي أن نذكر بأنهـا عـضو في “تجمع تنمية الجنوب الأفريقي (الـسادك) الـذي تقوده جنوب إفريقيا لنفهــم بقية الحكاية.

إن تعنيف وتـرهيـب الـوفـد الدبلوماسي المغربي يشكل فصلا جديدا مـن محاولـة عـزل الـمغرب وعرقلة مشاركته في تنميـة شعوب أفـريقيـا. كما أن ثـلاثـة عـقـود مـن “الغيـاب الاحتجاجي” كانت كافية للمغرب من أجل دراسـة الـوضع في أفريقيا، وجعلته يعـرف وقـت الفعل ورد الفعل في معركـة أجمع المغاربـة حـول قداستها.

وبذلك لا يمكن إلا أن نُسجـل للتـاريخ هزيمة مـدوية لـخصوم الـوحدة الترابية أثنـاء انعقاد مؤتمر “تيكـاد” اليابـاني لتنمية أفـريقيا، خاصة على المستوى السياسي، إذ أكدت اليابـان من جديـد على عدم اعترافها بكيان البوليساريو الوهمي. كما نُـسجل تفـويـت النظـام الديكتاتوري بـالموزمبيق الفرصة على الشعوب الإفريقية من خلال عرقلة برامج التنمية الاجتماعية لشعوبها؛ وخـرج الـمغرب بالمقابل مـرفوع الرأس لكسبـه معركة كـسر العظام، بجانب دولـة عملاقة تقود الاقـتصاد العالمي، ومؤثـرة في مجـال العـلاقـات الـدولية. فقـط علينـا الاحتفاظ بـدرجة عـاليـة من الجاهزية السياسية والتكتيكية، فالمعركة القادمـة اسمهـا الإيكواس أو سيـديـاو

عبد الله بوصوف

Print Friendly, PDF & Email
Share on LinkedIn0Email this to someoneDigg thisShare on Google+0Tweet about this on TwitterShare on Facebook0

شاهد أيضاً

شخص ينتحل اسم وصفة الصحفي ولد السالك لطلب المساعدة…”تابع بقية القصة”

كتب الزميل والإعلامي محفوظ ولد السالك مدير البرامج بقناة المرابطون الفضائية والمعروف في الوسط الإعلامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *