أبو حفص الموريتاني يتحدث عن مذكراته ومفاوضات طالبان وأزمة العنف في الساحل (مقابلة خاصة) – المرابع ميديا – al-maraabimedias
11 يوليو 2020 , 2:31
أخبار عاجلة
الرئيسية / المقابلات / أبو حفص الموريتاني يتحدث عن مذكراته ومفاوضات طالبان وأزمة العنف في الساحل (مقابلة خاصة)

أبو حفص الموريتاني يتحدث عن مذكراته ومفاوضات طالبان وأزمة العنف في الساحل (مقابلة خاصة)

تحدث المفتي السابق لتنظيم القاعدة محفوظ ولد الوالد المعروف بأبي حفص الموريتاني في مقابلة خاصة مع موقع ريم آفريك عن دوره بالرأي والمشورة في المفاوضات التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية مع جماعة طالبان الأفغانية.

كما تحدث الشيخ محفوظ ولد الوالد في مقابلته التي تم تسجيلها في رمضان المنصرم وتنشر اليوم لأول مرة عن قانون النوع الأخير الذي قدمته وزارة العدل الموريتانية، مؤكدا أنه قانون غير قابل للإصلاح، وأنه قاصر جدا عن مواجهة جريمة الاغتصاب وردع مرتكبيها.

وفي أزمة التطرف العنيف في منطقة الساحل رأى أبو حفص أن بلاده موريتانيا هي أكثر من يملك قدرة على تحقيق السلم في المنطقة، نظرا لعدة أبعاد تتوفر عليها دون موريتانيا دون غيرها من دول المنطقة والقوى الدولية المهتمة بها.

نص المقابلة

أثار موقفكم الأخير من قانون النوع ردة فعل غاضبة في مواقع التواصل الاجتماعي لدى بعض الجهات، ورأت فيه تهديدا ضمنيا بالعنف.. ما موقفكم من ردة الفعل تلك؟

محفوظ ولد الوالد : الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

موقفنا ممَّا يُعرف بـ(قانون النوع) كان موقفا واضحا لا لبس فيه، ولا غبار عليه.

لقد رفضناه، ودعونا إلى رفضه لأنه مخالف لديننا، ومصادم لشريعتنا، وخارج على قيمنا، وغريب على ثقافتنا، وعامل على تفكيك أسرنا، ومنذر بشرور كثيرة حاقت بدول كبيرة تبنت مثل هذه القوانين، فعصفت تداعيات سياساتها تلك بأمنها واستقرارها.. وما هي منا ببعيد.

الجهات المقصودة بكلامنا فهمَته كما هو، لأنها تعرف عمَّن صدر، وماذا يريد، وأيَّ شيء يقصد، ومن أي خطر يحذر، وتعرف موقفَه من الخطر الذي يحذر منه، وجهودَه في بيان أسبابه، وطرق الوقاية منه، وسبل علاجه.. كل ذلك من منطلق شرعي، وتجربة واقعية، بعيدا عن الرؤى والسياسات المفروضة من الخارج التي أثبتت فشلها بامتياز في معالجة ظاهرة الغلو.

أما الصائدون في الماء العكر الذين حاولوا حمل كلامنا على محمل آخر يتقربون به لجهات معروفة فنقول لهم: اربعوا على أنفسكم، فإن الدول لا تترك مهمة حفظ أمنها لأمثالكم.

والجهات التي تحاولون التزلف لها بكلامكم، والتقرب إليها بتحريضكم تعرف الحقيقة، ولا تستقيها منكم، ولديها رصيد تجربة مع أمثالكم من أصحاب هذه الخدمات سواء المجانية منها، ومدفوعة الثمن.

كلام هؤلاء ذكرني بتقرير (أمني) قدمه أحدهم في هذا السياق لإحدى وكالات الأمن الغربية مساهمة منه في (الحرب على الإرهاب)!!

الجهة التي قدم لها التقرير وجدته مثيرا للضحك من محتواه المتناقض، وباعثا للشفقة على كاتبه المسكين!!

– هنالك أيضا من رأى أن القانون تمت أسلمة أغلب مضامينه وأنكم ربما اطلعتم على نسخ قديمة منه، ما ردكم؟

محفوظ ولد الوالد : لا شك أنه تم تعديل بعض العبارات على تضارب في ذلك بين النسخ المختلفة، لكن القانون من السوء بحيث لا يمكن إصلاحه، فهو كالميتة التي لا تنفع فيها الذكاة، وحشرُ بعض المصطلحات الشرعية في تلك السياقات الفاسدة لا يغير من حقيقتها شيئا.

بين أيدينا عدة نسخ من القانون المعدل، أقلها سوءا سيئة جدا.

وما دامت هنالك مادة واحدة من القانون تخالف الشرع، فهو مرفوض، وبيان  الحق في ذلك وغيره هو مقتضى الوفاء بميثاق الله الذي أخذ على أهل العلم بقوله تعالى:{وإذْ أخذَ اللهُ ميثاقَ الَّذينَ أُوتُوا الكتابَ لَتُـبَـيِّـنُـنَّهُ للناسِ ولا تَكتُمونَه}.

تأمل قول الله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم في سورة الإسراء: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}

تأمل قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}

فمجرد الركون -أي ركون-  إلى الباطل وأهله ولو كان ذلك الركون “شيئا قليلا” يستحق صاحبه هذا التهديد الأكيد والوعيد الشديد.. ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات!!

وهاذ خطاب لمن؟!

 للنبي صلى الله عليه وسلم!!

وتأمل معي قول الله تعالى في سورة الأنعام: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ..}

تأمل  هذه الصراحة القرآنية في الحكم بشرك من اتبع المشركين وأطاعهم في التشريع ولو في مسألة فرعية جزئية كما تبدو لكثيرين وهي الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه!!

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية:

«وقوله تعالى:(وإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).. أي حيث عدَلتم عن أمر اللّه لكم وشرعِه إلى قول غيره، فقدَّمتم عليه غيرَه.. فهذا هو الشرك.. كقوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ}.. الآية».

وقد روى الترمذي في تفسيرها عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وسلم – وَفِى عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: (َا عَدِىُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ)، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ في سُورَةِ بَرَاءَةَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قَالَ: 0أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ).

إذن من اتبع مخلوقا في التشريع من دون الله في أمر حكَم الله فيه فقد اتخذه ربا من دون الله، وإن لم يسجد له ولم يركع!!

جريمة الاغتصاب إحدى الظواهر السلبية المنتشرة في المجتمع الآن.. ما هو تقديركم للعقوبة المناسبة لها؟

محفوظ ولد الوالد: جريمة الاغتصاب من أبشع الجرائم، وأشنعها، لأنه مع قبحها قد جمعت بين الاعتداء على حق الله، والاعتداء على حق الضحية.

ولذلك غلظ الشارع عقوبتها، وشدد فيها.

وعقوبتها منصوص عليها في الشرع، وفي القانون الجنائي الموريتاني، وهي تدور بين جلد مائة جلدة مع الأعمال الشاقة، والإعدام رجما.

وهذه عقوبة شرعية رادعة لو طبقت، ولكنها معطلة منذ زمن بعيد مع العقوبات الشرعية المشاهبهة!!

وهذه مناسبة نذكر فيها نصوص المواد التي تنص على عقوبات الزنا، واللواط، والاغتصاب من القانون الجنائي الموريتاني.

       تقول  المادة 307من القانون الجنائي الموريتاني:

” كل مكلف ذكرا كان أو أنثى ثبت بالشهود الأربعة، أو بالإقرار، أو بالحمل أنه ارتكب جريمة الزنا عن طواعية، يعاقب بالجلد مائة جلدة أمام الملأ والحبس مع التغريب سنة إذا كان بكرا وبالرجم أمام الملأ إذا كان محصنا.

         “لا تغرب المرأة.

         “يؤخر الجلد والرجم عن الحامل حتى تضع حملها، كما يؤخر الجلد عن المريض حتى يتم برؤه.”

وتقول المادة  المادة 308:

-“كل مسلم مكلف ثبت بالشهود أو الإقرار أنه ارتكب جريمة اللواط يعاقب بالرجم أمام الملأ، وفي المساحقة تطبق العقوبة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 306.”

         وتقول االمدة 309:

” يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يحاول ارتكاب جريمة الاغتصاب. وإذا تمت الجناية فإن الجاني يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة زيادة على الجلد إذا كان بكرا، كما يعاقب بالرجم وحده إذا كان محصنا.”

         وتقول المادة 310:

“إذا كان الجناة من أصول من وقع عليه الاعتداء، أو كانوا من فئة من لهم سلطة عليه، أو من معلميه، أو من يخدمونه بأجر، أو كان خادما بأجر لدى الأشخاص المبينين أعلاه، أو كانوا موظفين، أو من رجال الدين أو إذا كان الجاني، مهما كانت صفته، قد استعان في ارتكاب الجناية بشخص أو أكثر فتكون العقوبة هي:

– الإعدام بالرجم بالنسبة للمحصنين؛

– وبالأشغال الشاقة المؤقتة زيادة على الجلد بالنسبة للبكر”

 ذلك نصوص المواد المبينة لعقوبات هذه الجرائم.

ولكن هذه العقوبات معطلة منذ زمن بعيد، وتعطيلها هو السبب في انتشار هذه الجرائم كما يشكو من ذلك القضاة والمعنيون بالأمن أنفسهم.

المشكلة إذن ليست مشكلة فراغ قانوني فيما يتعلق بعقوبات هذه الجرائم حتى نحتاج إلى (قانون النوع)، بل القانون موجود، والمشكلة في عدم تطبيقه!

بل إن المتأمل لنصوص العقوبات القانونية هذه يجد أنها فوق كونها مستمدة من الشرع، فهي أشد وأكثر تفصيلا من هذا القانون الجديد الذي يدُس السم في العسل!.

 وحتى لو افترضنا الحاجة إلى تشديد العقوبة التعزيرية على بعض الجرائم، فيمكن أن تقوم بذلك لجنة من أهل العلم الشرعي والاختصاص القانوني عندنا، وتضيف ما تحتاج إليه من موادَّ تلبي الحاجة، على أن تكون مرجعيتها في كل ذلك هي الشريعة الإسلامية .

لقد كنا، وما زلنا نأمل من السلطات المعنية العملَ على تفعيل القوانين الشرعية المعطلة، وتنقيةَ منظومة البلاد القانونيةَ من المواد المخالفة للشريعة الإسلامية.

لو حُكِّمت الشريعة الإسلامية، وفُعّل قانون العقوبات لتحقق العدل، ورُفع الظلم، وساد الأمن، وحميت حقوق الرجال والنساء على حد سواء..

{أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}

كتبتم مذكرات عن تجربتكم الفكرية وعلاقتكم مع تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، متى ستصدر هذه المذكرات، وماهي أهم مضامينها؟

محفوظ ولد الوالد: المذكرات تضمنت أهم المحطات التاريخية في حياة مؤلفها.. غطت من حيث الزمان حوالي 45 سنة..

ومن حيث المكان غطت دولا وقارات عدة تنقل بينها الكاتب..

ومن حيث الأفكار تعرضت لما اقتضى المقام التطرقَ له من الأفكار التي كانت سائدة في الحيِّزَين الزماني والمكاني لحياة الكاتب.

غير أن أهم ما ميز المذكرات هو انفرادها بتدوين فكر وسيرة ومسيرة تنظيم القاعدة وزعيمه الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله.

ومن أهم ذلك ما تضمنته عن أحداث 11 سبتمبر، ويوميات أولى حروب القرن الحادي والعشرين على أفغانستان، وشهادة صاحب المذكرات على كل ذلك، وموقفه منه، واستقالته من تنظيم القاعدة، وما تبع ذلك من أحداث، وقصة  دخوله لإيران، وبقائه فيها عشر سنوات، ورجوعه إلى الوطن بعد ذلك، وما دار بينه وبين الأمريكان من نقاش في جلسات عديدة بحضور ممثلين عن الدولة الموريتانية.

المذكرات تم الاتفاق منذ مدة على نشرها مع أحد الناشرين، ولكن الناشر لم يتمكن من نشرها حتى الآن لأسباب نرجو أن تزول قريبا.

وهنالك اتفاق مبدئي مع دار نشر فرنسية على نشر مختارات من المذكرات باللغة الفرنسية، ونأمل أن يكون ذلك قريبا إن شاء الله.

ما رأيكم في المقاربة الأمنية والفكرية في موريتانيا لمواجهة الإرهاب؟

محفوظ ولد الوالد : المقاربة الموريتانية في معالجة ظاهرة الغلو تتضمن جوانب إيجابية أعطت نتائج جيدة، فأوقفت العمليات العسكرية للجماعات المسلحة على الأراضي الموريتانية.

وأدت من خلال الحوار إلى نتائج مشجعة وجد من خلالها بعض الشباب فرصة لمراجعة أفكارهم، والعودة إلى صوابهم، واستعادة حريتهم، فخرجوا من السجون، وأخذوا مواقعهم الصحيحة في المجتمع.

وكان من الممكن أن تكون هذه المقاربة أكملَ وأفضلَ لو وسع نطاقها، واستمرت في تعزيز تجربة الحوار الفكري مع الشباب داخل السجون وخارجَها.

ولكن بعض الجهات الخارجية كانت تعارض فكرة الحوار، وتصر على الحلول الأمنية والعسكرية التي أثبتت فشلها في مختلف أنحاء العالم.

التجربة الموريتانية يمكن أن تشكل أساسا يُبنى عليه ويُستكمل ليكون تجربة مكتملة قابلة للتصدير لبلدان عديدة ما زالت تعاني من العنف والعنف المضاد.

وهنالك دول ومراكز بحوث غربية وعربية مهتمةٌ بالمقاربة الموريتانية ببُعدَيها الرسمي وغير الرسمي.

وقد زارتنا -أكثر من مرة- عدة وفود وشخصيات دولية مهتمة بهذه التجربة، وأعربت عن ارتياحها لها، وللنتائج التي ترتبت عليها، والتي يمكن أن تترتب عليها مستقبلا في حال اكتمالها.

وقد تمت الاستفادة من المقاربة الموريتانية في التوصل عبر الحوار المباشر إلى اتفاقات بين بعض الدول مع بعض الجماعات الجهادية في بلدان أخرى.

ولعل من المفيد في هذا السياق أن نذكر أن الاتفاق التاريخي الموقع بين حركة طالبان والولايات المتحدة نهاية شهر فبراير الماضي، والذي وضع الأساس للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وتحقيق السلام في البلاد  كان للتجربة الموريتانية غير الحكومية حضور مؤثر فيه من خلال الرأي والمشورة.

الأمريكيون طلبوا رأينا، وقلناه لهم بصراحة : لا سبيل  للخروج من ورطتكم في أفغانستان، وإحلال السلام فيها إلا بالاعتراف بطالبان، ورفعها من قوائم (الإرهاب) والحوار معها.

وقلنا لهم: حركة طالبان ليست حركة إرهابية كما تزعمون، بل هي حركة مجاهدة لتحرير بلدها من الاحتلال.

 ومقاومة الاحتلال  ليست حقا فقط، بل هي واجب.

نحن في موريتانيا لسنا دولة عظمى من حيث قوتنا العسكرية، أو الاقتصادية، أو التكنولوجية، ولكننا نملك ما لا تملكه الدول العظمى التي تملك كل تلك المقومات، ونملك ما تحتاج إليه العالم كله، وهو رصيد وضوح الرؤية والتجربة يساعد على تحقيق السلام والأمن في هذه العالم المحترِب.. كل ذلك انطلاقا من فهمنا لديننا،  وبناء على تجربتنا، وبعيدا عن إملاءات الدول الكبرى التي تتغذى على استمرار الحروب والنزاعات في العالم الإسلامي.

أنتم كجهادي سابق؛ بمَ تفسرون أن كل طبعة جديدة من التنظيمات الإسلامية المسلحة تكون أشد عنفا وشراسة من سابقتها؟

محفوظ ولد الوالد :يجب أن نعلم أولا أن أهم أسباب الغلوِّ وحملِ السلاح من قبل الجماعات الإسلامية هو الظلم الذي يتعرض له المسلمون من قبل قوى الكفر الكبرى.. احتلالًا للأرض، وانتهاكًا للعرض، وتدنيسًا للمقدسات، ونهبًا للخيرات، ودعمًا للديكتاتوريات.

واحتلالُ فلسطين، وغزو أفغانستان، واحتلال العراق، وما حصل بين ذلك في البُوسنة والهِرسِك وكشميرَ والصومال، وما حصل بعد ذلك في بورما، والصين وغيرها من بلدان آسيا مجرد أمثلة على ما يتعرض له المسلمون من ظلم من مختلف القوى، بل إنه لا توجد اليوم حرب مشتعلة في العالم كله إلا في بلاد المسلمين!، وهذا ليس من قَبيل المصادفة..

لما غزت أمريكا أفغانستان سنة 2001م لم تكن في أفغانستان إلا طالبان والقاعدة، والتي لم يكن يتجاوز عدد أفرادها بضعَ مئات بأطفالهم ونسائهم..

ولما احتلت أمريكا وحلفاؤها العراق سنة 2003م لم تكن في العراق أي جماعة إسلامية تقريبا، لا مدنية ولا عسكرية.

لم تمض عدة سنوات من غزو أفغانستان والعراق حتى صارت في كل منطقة من العالم الإسلامي عدة جماعات إسلامية جهادية!، بأعداد تجاوزت مئاتِ الآلاف من المُنضَوينَ تحتَها والمتعاونين معها خلال العِقدين الماضيين بحسب دراسات أمريكية وغربية!

وكل جماعة تأتي يُحتمل أن تكون أكثر غلوا وأشد عنفا نتيجة لتراكم المظالم..

والسبب هو وحشية الغزاة، وطغيان حلفائهم من الطغاة، وتجاهلهم جميعا للأسباب المغذية للغلو، بل سعيهم في أحيانَ كثيرة لدعم الغلو والعنف وتغذيته بأساليبَ لا تخفى على بصير، حتى يظلوا في أعين حلفائهم وشعوبهم البديل الأقل سوءا عن هؤلاء الذين يحاربونهم تحت شعار الحرب على الإرهاب وغيرها..

وكلما اشتدت وطْأةُ الظلم اشتدت رَدةُ الفعل عليه، ولكل فعل ردةُ فعل كما هو معروف..

-هل لكم دور حالي أو تنوون الإسهام بدور فكري من أجل محاربة الفكر المتطرف، خصوصا في منطقة الساحل التي يشهد فيها العنف تزايدا؟

محفوظ ولد الوالد: نحن نعتقد أن من آكد الواجبات في حقنا نصحُ إخواننا، فالدين النصيحة.. لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأيمة المسلمين، وعامَّتِهم.

وهدفنا ليس محاربتَهم أو القضاءَ عليهم كما هي شعارات أكثر من يخالفونهم، بل خلافنا معهم شرعي يوجب علينا السعي في هدايتهم وإرشادهم وبيان ما نرى أنه الحق في هذا الباب.

وبحكم التجربة التي لدينا يتأكد هذا الواجب في حقنا.

ولذلك فنحن لم نتوقف منذ رجوعنا إلى البلاد عن بذل الجهد في علاج ظاهرة الغلو من منطلق شرعي بَحتٍ عززَتهُ تجربتنا ولله الحمد.

بعض هذا الجهد كان فرديا، وبعضه كان بالاشتراك مع بعض الجهات المهتمة.

وقد لا حظنا بفضل الله أنه كان لهذا الجهد أثر طيب، ونتائج جيدة، ونحن مستمرون فيه إن شاء الله.

وهذا الجهد ليس مقتصرا على خطاب الشباب المسلم، والجماعات الإسلامية، وإزالة ما لدى بعضهم من شُبَه وإشكالات، وتصحيحِ ما عندهم من أفكار، بل كان بموازاة هذا الجهد جهدٌ مُوَازٍ موجه إلى الطرف المقابل..

ومن ذلك: الجهدُ المبذول مع مراكز البحوث والدراسات في الغرب، وتوضيحُنا لها الأسبابَ الحقيقية للغلو، وبيان أن في مقدمة تلك الأسباب السياساتِ الغربيةَ المعادية للإسلام والمسلمين.

وأن علاج مشكلة الغلو يمر حتما بتغيير الغرب لسياساته تلك.

وقد وجدنا تقبلا جيدا، وأثرا إيجابيا لجهودنا هذه معهم ولله الحمد.

ودول الساحل دور جارة، وهي أولى بالمعروف، وهي تنظر إلى ما يجري في موريتانيا وتتأثر به.

وقد نصحنا الأطراف المختلفة هناك بالجنوح للصلح والسلم، وتحقيق العدل ورفع الظلم من خلال الحوار.

وقد أبدت الأطراف المعنية في مالي مؤخرا استعدادها للحوار، وهذا أمر ينبغي تشجيعه.

وأشير هنا إلى تحول إيجابي في الموقف الفرنسي الذي أيد  مؤخرا فكرة الحوار مع الجماعات الإسلامية المالية ، بعد أن كان معارضا لها.

وموريتانيا تستطيع أن تقدم الكثير لدعم الحوار والسلام  في مالي وغيرها من دول الساحل.

سألني مرة أحد المعنيين الغربيين بالملف الأمني في مالي: ما ذا يمكن أن تقدم موريتانيا في الحرب على الإرهاب في مالي؟

فأجبته: “رأيي الشخصي أن دور موريتانيا في مالي يجب أن يكون سعيا  في السلام ، وليس مشاركة في الحرب.

  ليس لدى موريتانيا مصلحة في الحرب في مالي، مصلحتها في السلام هناك، وفي كل المنطقة.

عندما تنهككم الحرب، أنتم وحلفاؤكم من القوات الإفريقية والأممية هناك، وتقتنعون بجدوائية السلام والحوار، فإن موريتانيا لديها عندئذ ما تساعدكم به.”

موريتانيا تتمتع بمصداقية لدى مختلف الأطراف، وعلماؤها يحظون بتقدير واحترام هناك، وتستطيع أن تقوم بما لا يستطيع غيرها القيام به في جهود السلام هناك.

-وما هي رؤيتكم لمواجهة خطر التطرف العنيف في المنطقة وماهي سبل إحلال السلام فيها؟

محفوظ ولد الوالد: علاج ظاهرة الغلو ليس سهلا، بل هو عملية معقدة وطويلة.

وفي جميع الأحوال يجب أن ينطلق علاج ظاهرة الغلو من معرفة أسبابها أولا، ثم وضع الحلول لها بعد ثانيا.

وأهم أسباب الغلو وليس كلها هي:

  1. غزوُ الغُزاة (احتلال بلاد المسلمين من قبل القوى الكبرى).

  2. طغيانُ الطغاة (ظلم الحكام، وتعطيلُهم شرائعَ الإسلام).

  3.  جَفاءُ الجُفاة (مجاهرة الملاحدة، والمرتدين بسب الله ، والطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم، والتشكيك في العقيدة ، والاستهزاء بالدين)

هذه الثلاثة (غزو الغزاة، وطغيان الطغاة، وجفاء الجفاة) هي سبب غلو الغلاة؛ لأن الغلو في حقيقته غالبا ما يكون ردةَ فعل عكسيةً على الواقع السيئِ الذي يسعى المرء لتغييره أو الهرب منه.

إذَا تحررت بلاد المسلمين من الغزاة، وتحررت شعوب الإسلام من الطغاة، وتطهرَت مجتمعاتهم من الجُفاة، زالت بذلك أهم أسباب غلو الغلاة.

وتبقى أسباب أخرى هي نتائج لتلك الأسباب السابقة، مثل فساد المناهج الدراسية، وانحرافِ الوسائل الإعلامية، وما تحويه من محتويات محاربةٍ أو مخالفةٍ للإسلام، مع جهل بعض الشباب، وتقصير بعض العلماء في واجب تربيتهم، وتوجيههم.

تشخيص أسباب الغلو هو الخطوة الأولى في علاج الظاهرة، وهنالك خطوات أخرى تتبعها.

وقد سبق لي إعداد ورقة بحثية في هذا الموضوع، لعل من المفيد اقتباس جزء من ملخص ما ورد فيها حول علاج ظاهرة الغلو.

(الورقة منشورة ضمن كتاب: المرتكزات الفكرية لحركات الغلو.. رؤى شرعية).

جاء في ملخص تلك الورقة:

“اعتبرَتِ الورقة أنه أمام تعقيدات ظاهرة الغلو، وتداخلِ أسبابها، وتعددِ مظاهرها، ليس من السهل تقديم حلول جاهزة وبسيطة لهذه الظاهرة المعقدة والمرَكبة، إلا أن الورقة قدمت بعض المقترحات لعلاج هذه الظاهرة.

وأهم هذه المقترحات:

الإنصاف والعدل في التعاطي مع ظاهرة الغلو، والإقرار بما مع الغلاة من حق، وردُّ ما معهم من باطل، وعدمُ ردِّ كل ما يعتقده الغلاة من أفكار، أو يَدعون إليه من عمل، دون تفريق بين حقه وباطله، فالغلاة عندما يطالبون بتحكيم الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين فهم محِقُّون في ذلك، وعندما يطالبون بالعمل على تحرير بلاد المسلمين من المحتلين فهم على حق في ذلك أيضا.

ولكنهم عندما يكفرون المسلمين بغير مكفر شرعي، فهذا غلو يجب ردُّه ورفضُه، وعندما يستحلون باسم الجهاد الدماءَ المعصومة، والحرُماتِ المَصُونة، فهذا باطل يجب الوقوف في وجهه.

القضاء على أسباب الغلو السابق ذكرها، فلا قيمة تذكر لأية جهود تبذل في علاج الظاهرة ما دامت الأسباب التي أنتجتها وعملَت على انتشارها وتغذيتِها موجودة.

فما دامت بلادُ المسلمين تتعرض للاحتلال من قبل الأعداء المحتلين، وشعوبُهم تحكم بالحديد والنار من قبل الحكام الفاسدين في معظم بلاد المسلمين.

وما دام الجهل منتشرا بين الشباب والناشئين، وأكثر مناهج التعليم والتربية بيد العلمانيين، ومعظم وسائل الإعلام في قبضة الملحدين والليبراليين.

وما دام العلماء الربانيون، والدعاة والمصلحون غيرَ مؤثرين.. غائبين أو مغيَّبين.

وما دامت الأمة لم ترجع لكتاب ربها، وسنة نبيها، في اعتدالها ووسطيتها: خيرَ أمة أخرِجَت للناس؛ تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر…

ما دام الأمر على هذه الحال فلا أمل في خروج الأمة من مربع المأساة الذي أضلاعه: الغزاة، والطغاة، والجُفاة، والغلاة.

الحوار الجاد والهادف مع الغلاة، لأن أكثرهم، كما رأت الورقة، لديه شبهات وتأويلات تحتاج إلى ردود شرعية وبيان لوجه الحق بشأنها.

 وهذا لا يتأتى بدون حوار تتوفر لدى أطرافه صفات الإخلاص والحكمةِ والرفق.

وحوارُ الغلاة لا يمكن أن يقوم به إلا من تتوفر فيهم صفات الكفاءة العلمية، والمعرفة بالواقع وقضاياه، وألَّا يكونوا من علماء السلاطين والحكامِ الذين لا مصداقيةَ لهم عند الطرف الآخر.

فتحُ أبواب الحريات المنضبطة، ورفعُ القيود عن العمل الإسلامي السلمي الدعوي، والتعليمي، والاجتماعي، والسياسي، والاعترافُ بمؤسساته المختلفة.

فهذه أمور تساعد على التخفيف من حالة الاحتقان والتوترِ النفسي عند الشباب، وتؤسس للحد الأدنى من الثقة المطلوبة لحوار ناجح وهادف يحرص أطرافه على إنجاحه بعد أن فشلت كل المقاربات الأمنية والعسكرية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاهد أيضاً

ولد بوحبيني يجري مقابلة مع صحيفة اسبانية يتحدث فيها عن واقع حقوق الإنسان في البلد وخاصة العبودية نص المقابلة:

    أجرت منصة مدريد الاسبانية مقابلة مع أحمد سالم ولد بوحبيني، رئيس اللجنة الوطنية …